التعامل مع المصطلحات القرآنية، وكما أشرنا من قبل وبيننا بالأمثلة في سلسلة حلقات «مصطلحات قرآنية قحة»، يجب أن يكون تعاملا مختلفا عن التعامل مع النصوص البشرية.
والقرآن الكريم هو كتاب هداية بالدرجة الأولى، ولكن له عدة مهام جاء من أجلها، ومنها تأطير التكلم باللسان العربي، أي ورغم أنه نزل بلسان عربي مبين، ولكنه يبقى مرجعية في حد ذاته للغة العربية، ولذلك جعله الله عز وجل حكما عربيا، لقوله تعالى:
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا
وأعتقد أن كلمة «حكم» تعني أنه الحاكم على غيره على الأقل لغويا.
ودون التفصيل في هذا الشق من التحليل بخصوص «عربية» القرآن الكريم، فقد أردنا فقط الإشارة إلى أن معاني القرآن تؤخذ أولا من القرآن نفسه قبل أن نستأنس بغيره.
ففي موضوعنا الحالي حول الوفاة والموت، فالعرب لا تفرق بين الوفاة والموت ولحد الآن مازالت الكلمتان تُتداولان بنفس المعنى، وهو مفارقة الحياة.
كما تم خلط النفس مع الروح وما زال، ولنا في موضوع الروح بحث مقبل إن شاء الله.
في حين نجد أن القرآن قد حسم الجدال في هذه الأمور، وأكد أن النفس هي التي تموت وهي التي تُتَوفى، كما بينت آيات عديدة الفرق بين الوفاة والموت.
امصطلح الوفاة:قبل نزول القرآن لا نعرف إن كان العرب استعملوا لفظ "الوفاة" أم لا!! فلم أجد مرجعا موثوقا يخبرنا بذلك، وهذا راجع إلى أن التدوين عند العرب كان تقريبا منعدما قبل الإسلام، وقد بحثت فلم أجد لهذا المصطلح وجودا في الشعر الجاهلي، وبالتالي فمصطلح الوفاة هو مصطلح قرآني بامتياز.
ولهذا فالقرآن الكريم يُعتبر مرجعا مهما بل وحيدا لمعرفة المصطلحات القرآنية القحة، بل ويمكن أن نعتبره مرجعا أيضا لمعرفة لكلمات العربية الأصيلة وتمييزها عن غيرها.
مصطلح الموت:وأما لفظ الموت فهو مصطلح معروف قبل نزول القرآن، وهو الذي شاع استعماله للتعبير عن مفارقة الحياة إلى القبر، وهكذا عرف قبل الإسلام.
وأما قرآنيا، فقد تم ذكر لفظ الموت بمشتقاته الكثيرة، وبتصريفاته العديدة، من فعل ومفعول ومصدر، بالمفرد وبالجمع، وغير ذلك.
فالموت من فعل مات يموت.
والذي يموت هو ميت، وجمع لفظ «ميت» على ميتون وموتى وأموات.
وقد ذكر الموت على سبيل المجاز أيضا، فهناك موت النفس كحقيقة، مثل أغلب الآيات التي تتحدث عن الموت المادي، كقوله تعالى:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ
فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
وهناك موت معنوي كقوله تعالى:
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
فقد شبه الله تعالى الكافر بالميت، لأنه في ظلمات الكفر، فهو ليس بحي بل بميت.
وقوله تعالى:
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ
لا أطيل، ونعود إلى قضيتنا الرئيسية.
ففي موضوعنا حول الفرق بين الوفاة والموت، فلعل الآية القرآنية التي تحسم في ذلك هي الآية 42 من سورة الزمر:
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فبتدبرنا لهذه الآية نخرج بالمفاهيم التالية:
- الله يتوفى نفس الإنسان في حالتين، حين موته، وحين منامه.
- حينها يمسك الله عز وجل النفس التي يقضي عليها الموت.
- ثم يرسل التي لم تمت في منامها إلى أجل مسمى، أي يعيدها إلى حالتها الأولى قبل المنام.
فالموت بالتالي هو نهاية حياة الإنسان، وأما الوفاة هو حالة تتوسط الحياة والموت.
فالموت يشمل الوفاة، ولكن الوفاة ليس موتا بالضرورة.
ويؤكد قولنا هنا عبارة « يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ» في الآية التالية، التي تعني أن الموت يشمل الوفاة..
وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴿15﴾ سورة النساء
وهناك آية أخرى يتكرر فيها ذكر الوفاة بالليل أي والناس نيام، فيقول تعالى:
وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿60﴾ سورة الأنعام
أي أن الوفاة هي عملية تلقائية تقع حين يخلد الإنسان إلى النوم.
وأما معنى الوفاة فمن الآية الكريمة نستنبط أنها تعني انتقال النفس من الجسم الذي تسكن فيه إلى بارئها عز وجل.
والذي يتوفى الأنفس هو الله تعالى، والذي يقوم بهذه العملية هم الملائكة والشاهد لدينا قوله تعالى في سورة النحل:
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿28﴾
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿32﴾
وبين قوسين، لربما يظن البعض أن هناك تناقضا بين الآيات، فمرة يُذكر أن الله تعالى هو الذي يتوفى ومرة الملائكة هي من تتوفى !!
ولكن هذا ليس بالتناقض، بل هو قمة التحديد والتدقيق، فهناك فرق بين الذي يقضي ويأمر وبين من يطيع وينفذ.
فالله تعالى هو القيوم وهو القائم على كل ما يقع، وعندما يقول إنه يفعل فهو المقرر وهو الآمر بالفعل وليس بالضرورة هو المنفذ.
فعندما نقول إن فلانا بنى بيتا، ليس معناه بالضرورة أنه هو الذي قام ببنائه فعلا بل فقط أتى بعمال البناء ليقوموا بذلك.
فالملائكة تفعل ما يأمر به الله تعالى، ويأتي التحديد في آية أخرى، بأن هناك ملكا خاصا بهذه العملية، أو تدقيقا من وُكِّل إليه هذا العمل، فيقول تعالى:
قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿11﴾ سورة السجدة
وهنا وللإشارة فقط، لا يجب أن يُفهم من هذه الآية أن هناك ملَكا واحدا خاصا بالموت، ولكن هناك ملائكة كثيرين يتكلفون بهذه العملية كما بينت الآيات الأخرى.
وهؤلاء الملائكة هم المسؤولون المباشرون عن عملية توفي الأنفس والتي سنستمر في استجلاء معناها الحقيقي فيما يلي.
قبل ذلك تعالوا ندقق في الجذر اللغوي لفعل توفَّى، والذي هو وفَّى.
لغة: وفَّى الشخص حقه أي أعطاه إياه تاما من غير نقصان.
يقول تعالى:
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
وهناك معنى قريب من العطاء، يقول تعالى:
وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
أي تُجزى، والدليل قوله تعالى:
ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
وهناك معنى آخر، مستنبط من قوله تعالى:
وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ
ووفَّى هنا تعني أتم ما بُلِّغ به، وفقا للآية الأخرى، يقول تعالى:
وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ...
على العموم، المعاني كلها متقاربة، وهي العطاء والجزاء مع الإتمام.
وبالتالي فكلمة «توفى» فهي يمكن أن تسع كل هذه المعاني ولكن المعنى المشترك هو الإتمام.
لأن التوفي هو إتمام لمرحلة الحياة والدخول في مرحلة أخرى.
مبدئيا وكما قلنا آنفا، سنقدم فرضية أن الوفاة هي انتهاء لمرحلة الحياة ثم بداية لمرحلة أخرى تنتقل فيها النفس إلى بارئها.
ولكي نتحقق من هذه الفرضية، سنستخدم كعادتنا قاعدة تقاطع الآيات.
في التالي، سنستعرض ما جاء في القرآن من استعمال لفعل «توفَّى».
يقول تعالى:
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿70﴾ سورة النحل
الأصل في الموت هو التوفي، أي أن الله تعالى يتوفى الأنفس قبل أن يقضي عليها الموت، ثم بحسب السنن الكونية الإلهية، فهي إما تموت وإما تعود إلى الحياة.
وهذا ما توضحه أيضا الآية 42 من سورة الزمر السالفة الذكر.
وعبارة «ومنكم من يُردُّ» دليل آخر على أن هناك انتقال إلى مكان آخر، فمن الناس من يموت، ومنهم من يرجع إلى الدنيا ليكمل حياته إلى أن يشاء الله.
وبالتالي فالنفس سواء في حالتي الموت أو الوفاة، فهي تنتقل إلى الله عز وجل.
وفي الآية التالية دليل آخر على أن النفس ترجع إلى ربها، وهي في آخر سورة الفجر:
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ﴿27﴾ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴿28﴾فَٱدْخُلِى فِى عِبَٰدِى﴿29﴾وَٱدْخُلِى جَنَّتِى﴿30﴾ سورة الفجر
لا نحتاج إلى دلائل أخرى، فما أتينا به كاف لتحقق الفرضية السابقة.
كذلك نؤكد أن الوفاة هي خاصة بالنفس فقط اعتبارا للآيات السابق ذكرها.
ولكن السؤال الذي نريد أيضا الإجابة عنه هو: إلى أين تذهب النفس بالتحديد، وأين تبقى؟ سواء حين منامها أو التي يقضي عليها الموت، لأن الفرق بين الوفاة والموت هو الرجوع من عدمه.
لنتدبر معا الآيات التالية :
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴿99﴾لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴿100﴾ سورة المؤمنون
عند الموت لا إمكانية لرجوع الميت إلى الحياة، ولا توجد فرصة أخرى.
وذكر تعالى هنا كلمة «البرزخ» التي تعني الحاجز الذي لا يمكن المرور عبره.
وتعسف بعض السلف في تفسير الآية أو تأويلها إن صح التعبير، وحاولوا أن يعتبروها دليلا على أن البرزخ هو عالم يفصل بين عالم الموت ويوم القيامة، وطبعا اختلفوا في التأويل بين أهل السنة وبين الشيعة، وتميز المتصوفة أو جلهم بين هؤلاء فغالوا كثيرا في تأويل الآيات التي أتت فيها كلمة «البرزخ»، وفسروها تفسيرا باطنيا.
وحتى بعض الأحاديث الواردة بخصوص الموضوع هي تبقى ظنية ولا تحسم في مسألة الغيبيات، ولقد حسمنا في هذا الأمر في كل أبحاثنا حول حجية روايات الحديث، وقلنا بقبول الصحيح منها على سبيل الاستئناس في أمور فقهية، ولا يمكن اعتمادها في مسائل العقيدة والحلال والحرام والغيبيات.
باختصار، ليس هناك أي دليل على أن البرزخ هو مكان معين، وإنما هو كما قلنا فقط حاجز كما يفسر ظاهر الآية 100 من سورة المؤمنون.
وليلاحظ المتدبر للآية، فعبارة «من ورائهم برزخ» تدل بالملموس أن البرزخ حاجز وليس مكانا، فالأنفس حين تموت تجتاز هذا البرزخ في اتجاه البعث ولا يمكن أن تعود أدراجها لتعود إلى الحياة مرة أخرى.
وتؤكده أيضا آيات أخرى من القرآن الكريم والتي تبين وتدعم هذا المعنى، وهي قوله تعالى:
وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ﴿53﴾ سورة الفرقان
ثم قوله عز وجل:
مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴿19﴾بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴿20﴾ سورة الرحمن
لا يبغيان، أي لا يبغي أحدهما على الآخر، أي ببساطة لا يلتقيان.
فالنفس عندما تذهب إلى بارئها تبقى محجوزة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، تنتظر يوم الميعاد.
ولكن تبقى نظرية عالم مؤقت يفصل بين الموت والحساب هو تصور ممكن، ولكن لا يمكن أن يكون حقيقة دون وجود براهين ساطعة، وهذا ما سوف نبحث في إمكانية وجوده لاحقا، ونحدد بشكل أكثر علمية بعض التفاصيل الخاصة بهذا العالم والذي بدل أن نسميه البرزخ، فيمكن أن نصطلح عليه مؤقتا «الحياة البرزخية» نسبة إلى البرزخ الذي يحجزها عن الحياة الدنيا والحياة الآخرة، ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقال.
ما أريد قوله ولفت الانتباه إليه، هو أن هناك بعض الحقائق والإشارات التي دفعتنا إلى القول بهذا الكلام، وهي نتيجة تدبر لبعض آيات القرآن الكريم، ثم كذلك لبعض ما نعلمه ويعلمه الجميع من أمور تتعلق بالأحلام وما نراه في منامنا.
هذه الحقائق القرآنية التي ذكرنا هي مستنبطة من آيات تتحدث عن أولئك الذين قتلوا في سبيل الله، فيقول فيهم عز وجل:
وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ﴿154﴾ سورة البقرة
هذه الآية توضح أن الذين يُقتلون في سبيل الله ، والذين سماهم الموروث شهداء، هم في الحقيقة أحياء. (ونحن بالمناسبة وبخصوص كلمة «الشهداء» فلا نتفق على هذه التسمية لأنها تسمية باطلة، وسيأتي الكلام هن هذا المصطلح في بحث مقبل إن شاء الله).
وعبارة «لا تشعرون» معناها لا تستوعبون..
أي أن الحياة هنا لن يفقهها الناس لأنها ليست حياة مادية بالشكل الذي نعرفه.
كما تكرر قوله تعالى في آية أخرى:
وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴿169﴾ سورة آل عمران
وهنا الأمر توضح أكثر وبشكل لا يقبل التأويل، أن هذه الحياة هي في مكان بجوار الله تعالى.
ثم في الآية الموالية، يأتي تفصيل آخر يضيف إلى جانب وصفهم بالأحياء، بأنهم يفرحون بما آتاهم الله من فضله:
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴿170﴾ سورة آل عمران
ولكن الذي يجب أن نعرفه بخصوص هذه الآيتين، هو طبيعة حياة هؤلاء !!
وهنا وبمقاطعة هذه الآيات وربطها مع الآية قيد الدرس، نستنتج أن هذه حياة الأنفس وليست حياة الأجساد، فالذين قتلوا في سبيل الله هم يَحيَوْن عند الله بأنفسهم لا بذواتهم.
وكل ما قيل حول تنعم هؤلاء بالجنة هو قول لا دليل عليه من القرآن الكريم، فالله لا يخبرنا بذلك بطريقة واضحة، وبالتالي علينا أن نستنبط المعلومات حصرا من تدبرنا لآيات الله تعالى، ومقاطعة بعضها ببعض.
فكما نعلم أن البعث والنشور لا يحدُثان قبل قيام الساعة، لقوله تعالى:
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ
وبعد ذلك يأتي وقت الحساب.
وقد سمي هذا يوم «يوم البعث» لقوله تعالى:
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَٱلْإِيمَٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
وهو كذلك «يوم يبعثون» كما قال سبحانه وتعالى:
قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
وهذا اليوم يسمى أيضا يوم القيامة، لقوله تعالى:
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تُبْعَثُونَ
وعملية البعث تقتضي أن يبعث الله النفوس من جديد في الأجساد، وهذا غالبا ما تعنيه الآية الكريمة من سورة التكوير، لقوله تعالى: وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ
وهو نفس المعنى الذي نجده أيضا في كتب التفسير التراثية.
كما أن هذه الأنفس وللتدقيق، هي نفسها الأنفس التي خلقنا بها عز وجل، لقوله تعالى:
مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ
إنما الذي سيتغير هو الشكل الذي سنُبعث به يوم القيامة، وهذا من عالم الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وهذا ما سماه تعالى النشأة الآخرة، قوله تعالى:
مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ
أو النشأة الأخرى، ربما ليقول إنه شكل آخر للنشأة، لقوله تعالى:
وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُخْرَىٰ
أعتقد أن هذه كلها دلائل وبراهين تؤكد أن الدخول إلى الجنة أو النار لابد وأن يكون بعد البعث وبالتحديد بعث جميع الخلق، وليس مباشرة بعد موت أي كان من البشر.
وبالتالي وكما قلنا سابقا، فالذين قتلوا في سبيل الله هم يَحيَوْن عند الله بأنفسهم لا بذواتهم.
فالاستثناء الذي جعله الله لهؤلاء هو أنهم يظلون أحياء عند ربهم يُرزقون، وهذا جزاء لتضحيتهم بأنفسهم في سبيله.
وللإشارة هنا، نحب أن نؤكد أن الذين يُقتلون في سبيل الله ليسوا بالضرورة الذين ماتوا في المعارك دفاعا عن العقيدة فقط، بل أيضا الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل غاية نبيلة، وكمثال كل المشتغلين في ميادين يعرضون أنفسهم لخطر الموت في أي لحظة ويكون الدافع هو إنساني بالدرجة الأولى.
وطبعا ننفي في نفس الوقت الكلام المرسل الذي يُقحم في هذه الزمرة الذين يموتون غرقا أو بسبب بعض الظواهر الطبيعية كالزلازل وغيرها، فهذا لا يقره القرآن الكريم المرجع الوحيد في هذه المسائل التي تخص العقيدة. إذن، وتلخيصا لما قلنا آنفا، تأكد لنا بالدليل والبرهان أن الوفاة هي مرحلة انتقالية بين الحياة والموت، وتكون خلالها «حياة» مؤقتة قبل يوم البعث.
وبهذا يكون قد أثبتنا قرآنيا أن الحياة البرزخية (وهذا فقط اصطلاح) هي حقيقة، يحيا فيها كل الذين قتلوا في سبيل الله، بأنفسهم لا بأجسادهم، وهم يرزقون كما وعدهم بذلك سبحانه وتعالى، ويفرحون بذلك.
وهذا الرزق ليس أكلا وشربا أو ما شابه ذلك، لأن ذلك متعلق بالجسد، فقد أثبتنا أن هذه الحياة هي حياة أنفس.
كما أن مفهوم الرزق هو مفهوم واسع، والمؤكد أنه رزق يتماشى مع طبيعة النفس التي تنعم في الحياة البرزخية.
أمر آخر نستنبطه من الآية التي سبق ذكرها:
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴿99﴾لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴿100﴾ سورة المؤمنون
فالنفوس عند دنو الأجل وحلول الموت، ربما تتواصل مع الله سبحانه أو على الأرجح مع الملائكة، ففي هذه الآية، يخبرنا عز وجل بأن المجرمين سيطلبون العودة إلى الدنيا لكي يغير من عمله الذي استحق عليه العذاب، ولكن الله تعالى سيخذلهم أولا لأنه يعلم أنه حتى ولو ردوا إلى حياتهم الأولى لفعلوا نفس الشيء، ثانيا لأنه ليس هناك فرصة أخرى عندما يحضر الموت، وعندئذ يكون البرزخ حاجزا مانعا لإمكانية العودة إلى الوراء.
أمر آخر أوضحه، بخصوص سبب قولي إن التواصل يكون مع الملائكة، أي أنهم حين يتوفون الناس قبل موتهم يخاطبونهم ويتكلمون معهم، فإن كانوا من الظالمين، فأنفسهم تكون حينئذ مستعصية الخروج من الجسد، والملائكة يقومون ببسط أيديهم لكي ينتزعوها بصعوبة، وهذا نوع من العذاب الذي يلاقيه الكافرون الظالمون المجرمون عند الموت، لقوله تعالى:
.....وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ
وغمرات الموت هي مرحلة الاحتضار، وهي مرحلة انتظار الموت.
وأما الذين كانوا مؤمنين مستقيمين، تبشرهم الملائكة بالجنة حينها لقوله تعالى:
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿30﴾ سورة فصلت
ما يهمنا هو أن هناك تواصل بين من هم على شرفات الموت وبين الملائكة.
وهذا التواصل لا يكون ظاهرا للعيان أثناء مرحلة الاحتضار، ولذلك فهو تواصل الأنفس وليس تواصل الحواس التي نعرفها.
كل ما نقول بناء على تدبر آيات الله تعالى، وعلى بعض الإشارات التي لقطناها من القرآن الكريم، هو دليل على أن الأنفس هي تتواصل مع غيرها في بيئة مناسبة، نفترض أنها الحياة البرزخية أو نصطلح عليها كذلك.
وهذا الاستنتاج هو لا علاقة له بكلام السلف الذين كانت تصوراتهم للحياة البرزخية مبنية فقط على كلام مرسل، بخلاف ما نقوم به في هذه الدراسة المباركة، والذي أسسناه على براهين مستنبطة من آيات قرآنية.
فيما يلي، سوف نتكلم عن صنف ثاني من الأنفس التي أفترض شخصيا أن لها أيضا مكانا في هذه الحياة البرزخية، وسنحاول أن نثبت هذه الفرضية إن شاء الله.
هذه الأنفس هي التي يتوفاها الله تعالى ولم تمت في منامها، كما جاء في الآية الرئيسية التي تُفرق بين الوفاة والموت.
إٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿42﴾ سورة الزمر
فهل هذه الأنفس تعيش أيضا حياة برزخية مؤقتة حين منامها ؟
الإجابة عن هذا السؤال يستدعي أن نتكلم عن أحلام الإنسان وما يتعلق بها.
قبل ذلك، يجب أن نشير أولا إلى أمر مهم بخصوص الأحلام والرؤى.
فكما يعلم أولوا الألباب، فكل الذين يدعون معرفة تفسير الأحلام هم دجالون يلعبون على أوتار نفسية المغرر بهم من أبناء الأمة والذين يخلطون بين الحلم والرؤيا.
وحتى الرؤى فهي منتهية بختم النبوة، وتفسيرها والذي سماها ربنا عز وجل بتأويل الأحاديث هو كان محصورا على النبي يوسف عليه السلام، كما هو تسخير الجن الذي كان للنبي سليمان حصريا.
وكل الرؤى الحقيقية قد ذكرت قرآنيا، ولولا هذا الذكر لما علمنا بحدوثها أصلا.
وقد تطرقنا لهذا الموضوع في بحث منفصل حول الوحي والرؤيا، وهو موجود على موقعنا أولي الألباب لمن أراد الاطلاع عليه.
هذا بين قوسين، ما يهمنا من التعرض لموضوع الأحلام، هو فقط ما له علاقة بالحياة البرزخية.
فهذه الأنفس التي تخضع لعملية الوفاة ولنأخذ فقط الأنفس التي توفاها الله تعالى في منامها.
كلنا نعلم أن ما يقع في المنام، هو رؤية الأحلام طبعا، وهذه الأحلام هي إما كوابيس أي نرى فيها ما يزعجنا ويخيفنا ويرعبنا، أو أحلاما جميلة فيها ما يبعث على الاطمئنان، وفي بعض الأحيان تكون الأحلام عادية.
وحتى حينما نستيقظ في بعض الأحيان ونحن ظانون أننا لم نر أي حلم، فهو فقط عدم تذكر لتلك الاحلام ليس إلا..
وهذا ليس كلاما مرسلا، بل قول علمي، يستند فيه العلم الحديث إلى حجج قوية باستعمال آليات تَقيس عمل الدماغ خلال فترات الحلم، كما أنه يستدل بحركات العين خلالها...
ليس هذا مهما، ولكن الأهم هو أن هذه الأحلام واستنادا إلى ما نرى فيها أو في أكثرها، يتبين من خلالها أننا نلتقي فيها بأموات نكلمهم ونتحاور معهم سواء من أقاربنا أو من أصدقائنا، وفي بعض الأحيان ولكن بصفة نادرة نرى آخرين لا نعرفهم.
كما أن الأماكن التي نلتقي فيها في بعض الأحيان تكون معروفة لدينا، وأحيانا تكون مجهولة.
فكيف يمكن تفسير ذلك ؟
طبعا العلم ليس له جواب، ولكنه يعطي تفسيرا بناء على منطق معين، ويقول إن الأحلام هي مجرد خواطر وارتدادات عكسية لما نفكر فيه في حالة الوعي ونحن مستيقظون، وهذا لا ننكره، فكثيرا ما يكون حلمنا هو نتيجة لما يدور في دماغنا من أفكار خاصة بحياتنا المعيشية.
ولكن ليس هذا هو كل محتوى الأحلام، فكثير منا يرى أحداثا في المنام لا علاقة لها بالواقع، وأشخاصا لم يفكر فيهم إطلاقا، وأماكن هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
وأحيانا نرى أنفسنا نطير في الهواء ونقوم بأعمال لا يمكن أن نتصورها في الواقع لأنها بعيدة عن إمكانياتنا المحدودة.
وهذا كله دليل على أن أحلامنا ليست بالضرورة ارتدادات عكسية لما نفكر فيه في حالة الوعي.
فكيف نفسر ذلك على ضوء ما هو موجود في بعض الآيات القرآنية التي استشهدنا بها في بحثنا المبارك؟
وهذا يجرنا إلى ربط هذه الأحلام بالسؤال الذي وضعناه آنفا، وهو أين تنتقل الأنفس في المنام؟
الإجابة عن هذا السؤال تقتضي حل الألغاز التي ترتبط بمحتوى الأحلام وهي:
- التحرك والانتقال بسرعة من مكان لمكان، ورؤية أشياء وهمية وغير حقيقية، وأشكال ميتافيزيقية.
- بعض الأحلام لا تخضع للمنطق لا في حدوث وقائعها ولا في طريقة وقوع الأحداث أو سبب ذلك.
- تلاقي الأنفس خلال المنام (وليس تلاقي الأرواح كما يستعمل العوام بل وحتى النخبة من علماء وفقهاء، ولنا بحث منفرد حول الفرق بين الروح والنفس)، وهذه الأنفس هي لأحياء ولأموات، أقرباء وأصدقاء بل وحتى لمجهولين !!
الإجابة عن ذلك، هو أن الأبطال الحقيقيين للأحلام التي نراها هي أنفسنا التي يتوفاها الله تعالى عنده حين منامنا، وهذه الأنفس لا تنطبق عليها قواعد الفيزياء والطبيعة الدنيوية، وبالتالي من الطبيعي أن نرى أنفسنا تطير في الهواء وتقوم بأشياء غير منطقية.
ومن الطبيعي أن نرى أماكن غير معهودة وغامضة، لأن الأنفس حينها تكون في العالم البرزخي.
وهذا العالم توجد فيه أنفس الأحياء والأموات، من نعرفهم ومن لا نعرفهم.
باختصار، هذه تصورات فقط لا يمكن الحسم في صحتها ولا إنكارها.
ولكن ما نريد قوله إن الآية 42 من سورة الزمر، مكنتنا من حل بعض الألغاز، وأزالت بعض الحيرة من تصورنا للموت والوفاة، والأهم أننا فهمنا الفرق بينهما، والذي كان الغاية من هذه الدراسة.
ولكن كان لابد أن نلحق بالموضوع بعض التصورات عن حياة البرزخ، أولا لكي نؤكدها، وثانيا لكي ننفي كل الخرافات التي اخترعها البعض بخصوص البرزخ وعالمه، مستغلا جهل العوام بما يتعلق بأمور غيبية لا يحق لنا أن نبتدع فيها، ولا نقول أي شيء إلا بناء على استنباط عقلي ومنطقي من القرآن الكريم.
الخلاصة:- الموت هو انفصال النفس عن الجسد، مع انعدام كل أشكال الحياة وكل أنواع التواصل مع الآخر، مع عدم إمكانية الرجوع إلى الحياة الدنيا.
- الوفاة هو انفصال النفس عن الجسد، مع بقاء إحدى أشكال الحياة، وإمكانية التواصل مع الآخر، مع إمكانية الرجوع إلى الحياة الدنيا.
- الحالات التي تقع فيها الوفاة، هي النوم، والغيبوبة (coma)، وحتى ما يسمى بالموت الاكلينيكي أو كل حالة تكون فيها العودة إلى الحياة ممكنة.
- الحياة البرزخية أو ما اصطلحنا عليها كذلك هي الحياة التي تحيا فيها الأنفس وتتواصل قبل أن يقضي عليها الموت.
- ما يقع في الأحلام هو شكل من أشكال هذه الحياة، وهو غير خاضع للتفسير ولا للتأويل، كما كان سابقا في عهد الأنبياء (خصوصا يوسف عليه السلام).
حالة استثنائية للموت: بالنسبة للذين قتلوا في سبيل الله، تبقى أنفسهم منعمة بالحياة عند ربهم يرزقون.
وهذه الحياة هي حياة للأنفس وليس حياة أجساد، وهي تقع ما بين الموت وبين البعث يوم القيامة.
هذا والله أعلم..
💬 أضف تعليقاً على هذا المقال .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق! ✨