هناك تعريفات عدة لعلم الحديث، وكلها تصب في معنى واحد.
ولتبسيط الأمور على القارئ والمتلقي، يمكننا تبني تعريف مختصر وهو :
منهج في البحث عن صحة نسبة الاحاديث الي الرسول محمد (ص) (صحة الأحاديث اصطلاحا ).
و يقصد المشتغلون في الحديث به بعض الفروع مثل :
مصطلح الحديث : و يقصد به الاسس النظرية لتصحيح الاحاديث و تضعيفها.
علوم الرجال : و يقصد به البحث في احوال رواة الحديث , و قد يسمى (الجرح و التعديل).
علم العلل : و يقصد به البحث في تخطئة الحديث , اذ انه غالبا ما يتناول الحديث الضعيف و سبب ضعفه
ونحن هنا لن نستفيض في شرح ما يسمى بعلم الحديث، فالمقام لا يسع لذلك، وسنكتفي بشرح مختصر له ثم استعراض موقفنا منه عبر نقده وتوضيح مكامن ضعفه، أما من أراد التحقق والتفصيل، عليه بكتب مصطلح الحديث الكثيرة وأشهرها « مقدمة ابن الصلاح« .
علمية المصطلح :
تصنيف مصطلح الحديث كعلم ليس بالأمر البسيط لعدة اعتبارات، أولها أن يتحقق فيه شرط التوثيق من جهات متعددة و أن يكون الإجماع على جل قواعده.
العلم لغة : هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع كما عرفه الجرجاني، وعرفه الراغب الأصفهاني بأنه هو إدراك الشيء على حقيقته.
ونحن هنا لا نقصد بالعلم ما يوصف بشكل مبسط ومختزل في كونه نقيض الجهل أو أنه المعرفة إلى ما غير ذلك.
ولكننا نقصد بالعلم ما اشترك في الإيمان به كل الناس وعلى أساسه تصنف العلوم وتصبح قابلة للتدريس وفق أسس ونظم لا تناقض المسلمات وقواعد المنطق والفهم السليم.
في العلم يجب أن يكون هناك ملاحظة وبحث وتقصي ووضع فرضيات ونظريات ثم استعمال البرهان والتجربة للوصول إلى نتائج....
في العلم يجب أن يكون هناك منهج مستخدم من طرف العالم، أي أسلوب متبع في التفكير للتوصل إلى نتائج، والشرط ان يكون المنهج علميا وعقلانيا وليس شخصيا ومزاجيا لا يخضع إلى أسس متفق عليها، وإلا كان طريقة أو اتجاه لا يتبعه إلا صاحبه أو عدد من أتباعه.
وجل العلوم أو كلها خضعت لهذه الشروط لكي يتقبلها العقل الإنساني والتي لم تخضع لم تلق القبول المطلوب في حين بعضها خضعت لبعض تلك الشروط أو استعملت معايير غير دقيقة فصنفت فيما يسمى ب"أشباه العلوم" أو العلوم الزائفة أو العلوم غير المضبوطة (pseudosciences).
ولما كان العلم مرادفا أو كمرتبة لليقين فهو نقيض للشّك والظن، ففي رأيي كل ما تخلله الظن ليس بعلم، وهذا يؤكده قوله تعالى :
وعلى أساس كل ما سبق، ووفق تحليلنا لما يسمى بعلم الحديث، تراءى لنا مبدئيا أن هناك كثيرا من الإشكاليات تعوق دون تصنيفه كعلم وأنه وبكل بساطة يكفي أن نطلق عليه "مصطلح الحديث" أو إذا كنا كرماء سميناه "فقه الحديث" أو "صناعة الحديث"، أما إذا أردنا أن نكون موضوعيين، وصفناه ب"منهج تصحيح الحديث" ليس إلا.
لنتطرق فيما يلي إلى تفصيل تحليلنا لمصطلح الحديث :
بادئ ذي بدء أود أن أشير إلى أن ما يعيق البحث في هذا الجانب من الموضوع هو وجود إشكال في عملية التوفيق الزمني بين جمع الحديث ووضع مصطلح الحديث.
فالتاريخ لا يخبرنا بشكل واضح هل تمت عملية الجمع والتصنيف قبل أو بعد أو بالموازاة مع عملية وضع مصطلح الحديث، وهذا يجعل علمية مصطلح الحديث في وضعية حرجة.
فكبحث أولي، نجد أن أول من ألف في فن المصطلح خلال المائة الرابعة من الهجرة القاضي الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل بين الراوي و الواعي ثم جاء الحاكم النيسابوري فصنف فيه (معرفة علوم الحديث ) ثم أتى ابن الصلاح فجمع في علم الحديث كتابه المعروف ( بمقدمة ابن الصلاح ) الذي أشرنا إليه سابقا.
والقاضي الرامهرمزي ولد سنة 265 ه أي بعد موت البخاري، وعلى هذا الأساس فالحديث في صحيح البخاري ومن سبقه جمع وصنف قبل وضع قواعد مصطلح الحديث وهذا في حد ذاته خرق للمناهج العلمية المتبعة.
وحتى إذا سلمنا جدلا أن البخاري وضع قواعد وأصول واستخدمها كمنهج لتنقيح ما جمعه من أحاديث، فلا يمكن أن نقول ان وسيلته ناجعة، لأنه من المعلوم أن أي منهج يوضع يجب أن يعرض للنقد ثم التنقيح ثم المراجعة ثم المصادقة عليه وفق قواعد وأسس علمية ومسلمات سابقة، وبعد ذلك توضع المعايير والضوابط حتى يمكن استخدامه.
ومع ذلك فسوف نشق طريقا آخر في النقد ونفترض علمية الأسلوب المتبع في هذا المصطلح.
وهذا سيجرنا إلى دراسته عن قرب من خلال نقد ركائزه الرئيسية :
1.السند :
يطلق هذا التعبير على سلسلة الأشخاص الذين وصل الحديث عبرهم.
وهو ما يطلق عليه أيضا "علم الرواية".
ويعتبر هذا المفهوم من "الاختراعات العبقرية !!" الذي ينفرد بها علماء الحديث على الصعيد العالمي، وتجد السلف يشيدون ويفتخرون بهذا الامتياز !!
والحديث المسند عند أهل الحديث هو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه.
وقد يكون متصلا مثل "مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم"
وقد يكون منقطعا مثل "مالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم"
(منقطع لأن الزهري لم يسمع عن ابن عباس) ويسمى أيضا بالمرسل ؟؟؟؟
عندما يكون كل الرواة من العدول التقاة ويكون الحديث غير شاذ ولا معلل، يكون عندئذ صحيحا.
ما حقيقة تطبيق هذه القاعدة ؟
أخرج البخاري 1300 حديث بدون سند (تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين)، وهذا يعني أن البخاري لم يحترم شروط صحة الإسناد في جميع أحاديثه.
كما احتوى كتابه على أقوال للصحابة غير مرفوعة إلى النبي (ص).
وهذه أمثلة تجيب مبدئيا على السؤال، ولا داعي للتفصيل أكثر، لأن كثيرا من الكتب ألفت ومن الأبحاث قدمت حول هذه الجزئيات، ومن السهل على القارئ أن يجد ما يريده عبر قنوات مختلفة.
ولكن المغزى هنا هو الإشارة فقط لتأكيد كلامنا والبرهنة على أقوالنا.
2.الشذوذ والعلة :
الشذوذ: هو مُخالفة الثقة لِمَنْ هو أوثق منه.
وهناك من سوى بين الحديث الشاذ والمنكر فعرفه بالحديث المنكر الذي لا يُعرف.
العلة: هي سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث.
الحديث المعلل أو المعلول هو الذي شابته علة قدحت فيه سواء في سنده أو متنه.
3.الجرح و التعديل :
الجرح فى الاصطلاح رد الحافظ المتقن رواية الراوي لعلة قادحة فيه أو فى روايته من فسق أو تدليس أو كذب أو شذوذ أو نحوها.
والتعديل اصطلاحا هو وصف الراوي بما يقتضي قبوله روايته.
بكل بساطة ولمن استعصى عليه فهم هذه التعريفات، لكي تٌقبل رواية من غيرها، يجب أن يتم البحث في أحوال الراوي لوضعه في خانة الفساق والمدلسين أو من اهل الورع والتقوى، فيُقبل منه أو يٌرد.
ولكننا من جهة أخرى نجد قولا آخر في هذا الباب يزيد الأمر تعقيدا وهو قول العلامة السبكي في الطبقات الكبرى :
" إن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومٌزكوه، وندر جارحه، وكانت هناك قرينة دالّة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه: لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون ".
و هنا يحضرني مثل لإخواننا المصريين واستعمل على ما أعتقد في أغنية، يقول : "أجيلك من هنا ... تجيلي من هنا "، أي أصبح من الصعب أن تستقيم مع المخالف في نفس المنطق لكي تبين له خطأه المنهجي فيكون كالزئبق الذي ليس من المستحيل الإمساك به.
من جهة أخرى اعتبر أهل الحديث ما نحن بصدد تحليله علما !! وسموه أيضا بعلم الرجال !!
ولا أدري أي علم هذا يبحث في تقوى الناس ودرجة صلاحهم ؟
ومن له الأهلية لتزكية إنسان دون آخر ؟؟
إذا تكلمنا عن عدالة الصحابة والرواة، نجد أن علم الحديث، يطبق مبدأ الجرح والتعديل على الراوي، ويتوقف عند من ينطبق عليه صفة الصحابي.
وهذه في حد ذاتها مغالطة تبينها الآية القرآنية :
أي أنه كان هنالك من يلازم النبي (ص) ممن يتقول عليه ويروي أكاذيب.
وقد روي أن عائشة رضي الله عنها غلطت بعض الصحابة مثل ابن عمر وأبي هريرة.
ولا ننسى أن نشير إلى اختلاف أهل العلم في تعريف الصحابي، واختلافهم في تبيان عدالة الصحابة.
فتعريف صفة الصحابي كان وما زال فيه إشكال بحيث لم يكن هناك إجماع على الفصل فيه، فهل تنطبق فقط على من صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وآمن بدعوته وغزا معه وجالسه مجالسة الصديق والصاحب كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي و...، أم تتوقف على مجرد ملاقاة النبي في مناسبة أو مناسبتين، أم تعني فقط من عاصره حتى ولم يره ؟ و للأسف فالتعريف الأخير هو الذي تبناه أغلب علماء الأمة وخصوصا أهل الحديث !!!
أما بالنسبة لي فالأمر واضح أن ليس كل من عاصر النبي (ص) هو صحابي، فهل يعقل أن يكون كل المؤمنون في عهده أصحابه ؟ إذن فأين هم المنافقون ؟
وقد قال تعالى :
الصحابي هو من صاحب رسولنا صلى الله عليه وسلم ولازمه وصادقه كأبي بكر (بالمناسبة هذه الصحبة موثقة بنص القرآن الكريم) وقياسا على هذه الصحبة نجد عمر وعثمان وعلي وطبعا مجموعة قليلة ممن كانت تحضر مجالسه، وطبعا قبلهم نجد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فالزوجة هي أيضا صاحبة بدليل القرآن الكريم.
والأدهى أن أفضل الأصحاب وأكثرهم ملازمة له هم أقلهم رواية باستثناء علي بن أبي طالب، وهذا في حد ذاته إشكال، فهل كان للشيعة دور في ذلك ؟
في حين نجد أقلهم صحبة أكثرهم رواية مثل أبي هريرة، والذي يروي التاريخ أنه روى قرابة الستة آلاف حديث.
في تطرقنا للصحابة لا تهمنا الأسماء في حد ذاتها بل المفهوم، لأن الله وحده العارف بإيمانهم وبتقواهم، ولقد رضي الله عنهم ونحن أيضا نقدر ما قدموا للدين من تضحيات وخدمات جليلة، وسيلقون جزاء ما عملوا.
نحن فقط أثرنا إشكالية صفة الصحابي وعلاقتها بمصطلح الحديث، لأن الذي يهمنا هو مدى اعتماد رواياتهم من عدمه، وليس الهدف هو البحث في تقوى الصحابة ومن يكونون بقدر ما هو عدم التلاعب بهذه الورقة لتمرير أحاديث و روايات ليس لها ذلك الإسناد القوي المزعوم.
وفي ختام الكلام حول مفهوم الصحابة، نؤكد أنه ليس كل من عاصر النبي هو موضع ثقة وموضع أمانة، خصوصا إذا أتى من يحكم على هذه العلاقة بعد قرن أو قرنين من الزمان !!!
وعليه فما دام مفهوم الصحابة مختلف فيه وقد قدمنا فيه نقدا وافيا، وما دامت عدالة الصحابة مرتبطة بالصحابة أنفسهم، فالأمر كله ظني ولا يشكل علما في حد ذاته.
تبقى إذن حجية الإسناد كمرجعية أو كقاعدة لتصحيح الحديث متعلقة بمسألة عدالة الرواة بشكل عام والذي سنبرهن فيما يلي على أنها ليست بتلك القوة المزعومة في إثبات تلك الحجية.
إن مصداقية الرواة تتعلق أولا :
1.بأمانتهم، وأنا لا أعرف أي علم هذا الذي يخضع لأمزجة الناس وأهوائهم يمكنه أن يحكم بتلك الأمانة وعلى أي أساس سوف يفعل ذلك.
مسألة الأمانة والثقة هي مسألة حسمها القرآن بالرفض ولا أدري لماذا يصر علماء الحديث على تبنيها.
فالله سبحانه وتعالى يخبر نبيه الكريم عن حقيقة بعض من حوله من منافقين يجهلهم، فكيف يعلمهم من هم دونه وحيا ونبوة وحكمة ؟؟؟ وهذا وارد في آية المنافقين التي أشرنا إليها سابقا :
والأدهى الأمر هي وجود أحاديث عديدة تشير إلى نفس المعنى.
2.ثم بإدراكهم لمصير روايتهم، فليس كل الرواة كان يتكلم عن يقين بأن روايتهم سوف تدون وتكتب فيما بعد لتصبح نصوصا مقدسة، وبالتالي إما كانوا سيحرصون أكثر على التدقيق في الكلام أو يمتنعون أصلا عن الرواية.
من جهة أخرى يعتبر الخلاف المذهبي و على رأسه الخلاف السني - الشيعي من أكبر القاضين على مسألة الإسناد، لأن وضع الثقة من عدمها لا يمكن أن يصح في وجود هذه المشكلة الطائفية، فكل طائفة سوف تتعصب لأتباعها، وهذا ما وقع ونلاحظه إلى يومنا هذا.
بالإسناد تتحول القدسية بل تحولت من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة والتابعين.
وهذا هو مربط الفرس وهذا ما يشكل الثغرة الكبرى في قضية الإسناد بل وفي مصطلح الحديث برمته.
إذن تضارب الآراء حول عدالة الرواة جعل أهم شرط من شروط صحة الحديث لا يحترم، وهذا ما ينسف دعوى حجية أحاديث الصحاح من حيث السند !!!
فهل يُعقل أن يكون ديننا متعلقا أو يقوم على سِيَر الرواة وصدقهم أو كذبهم؟
ثم ألا يحق لنا أن نتساءل :
ما هو اسم آخر الرواة ؟ وكيف التقى الرواة بمن قبلهم ؟ ومن الذي قام بعملية التقييم للرجال وكيف عرفهم، ومن أي زاوية قيمهم؟ وهل يمكن أن نقبل عدلاً أو جرحاً لأحد الرواة من عالم لم يعايشه ومعرفته به سمعية فقط ؟
من جهة أخرى:
ما هي الفترة الزمنية التي وضع فيها علم الإسناد والجرح والتعديل؟ هل كان ذلك قبل عهد جامعي الحديث سواء كان البخاري أو مسلم أو الإمام مالك أو غيرهم سنة وشيعة؟ أم تم ذلك خلال عملية الجمع؟ أم بعده؟
هناك الكثير من نقط الاستفهام التي تجعل من مصطلح الحديث مجرد اجتهاد لتأطير عملية اعتماد الروايات التي جمعت من طرف أهل الحديث لا غير.
- كان من المفترض أن يكون الإسناد خطوة أولية في عملية غربلة الأحاديث لا أن يكون المرتكز الوحيد لاعتماد رواية من عدمها.
- كان الأجدر أن تتبع مرحلة الإسناد عرض الأحاديث على كتاب الله بحيث يبقى الأخير هو المهيمن لا أن يتم حل التناقض الموجود بينهما باستعمال أداة الناسخ والمنسوخ !!
وهذا ما حاول أهل الحديث استدراكه عبر أداة المتن ولكنه كان مجرد قول بدون فعل، وهذا ما سنتطرق له في الفقرة الموالية.
نأتي الآن إلى العنصر الآخر من الحديث ألا وهو:
المتن :
إذا كان السند هو سلسلة رواة الحديث فالمتن هو لفظ الحديث.
ومن جهة أخرى، إذا كان الإسناد هو علم الرواية فالمتن هو علم الدراية.
إذن فهو علم يبحث فيه عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث وعن المعنى المراد منها بناء على قواعد اللغة وضوابط الشريعة وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
عندما ترجع إلى كتب الحديث تقرأ أن المحدثين لم يألوا جهداً في نقد المتون والكشف عنها كما فعلوا تماماً في الأسانيد، فعندما عرَّفوا الحديث الصحيح اشترطوا لصحته خلوه من الشذوذ ، وسلامته من العلة القادحة ، وبينوا أن الشذوذ والعلة تقدحان في المتن كما تقدحان في الإسناد.
هذا كله كلام جميل ولكن الواقع وللأسف يؤكد غير ذلك كما عبر عن ذلك الكثير من النقاد عبر التاريخ، و لم يُرد إلا القليل من الروايات التي تم نقد متونها بل تكاد تكون منعدمة لقلتها.
بل لدى أهل الحديث قاعدتهم المعروفة والتي تتناقض مع اهتمامهم بالمتن و هي : "أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن ، فقد يصح إسناد حديث مَّا ، مع أن في متنه علة قادحة تقدح في صحته ، أو يكون هذا المتن شاذاً مخالفاً لما روي عن الثقات الأثبات" ، مما يؤكد على أنهم لو طبقوا علم الدراية أي قواعد المتون لحُذِفت الكثير من الروايات.
فلو طبق بضم الطاء علم نقد متن الحديث، كما جاء عند السلف هو: "العلم الذي يعتني بدراسة مضمون نص الحديث من حيث خلوه من العلل القادحة، ومدى موافقته للأصول الشرعية الصحيحة، والقواعد العقلية الصريحة، والحقائق العلمية، والتاريخية الثابتة". لما قرأنا في الصحاح ومختلف المسانيد وكتب الحديث، روايات إما تتناقض مع واحدة من تلك القواعد أو كلها جملة واحدة.
كيف تعامل السلف مع قاعدة التوافق أو التعارض مع القرآن الكريم ؟
من الطبيعي أن يخضع أي تشريع في الدين أو بصفة عامة أي كلام فيه للمقاربة القرآنية، وهذا من المسلمات التي يعرفها أي مسلم كيفما كانت درجة معرفته بدينه.
في حين ترى أنه من بين الاعتقادات الغريبة التي تبناها السلف وأهل الحديث بصفة خاصة نتيجة تقديسهم غير المبرر للأحاديث والتي أعتبرها شخصيا تجرؤا خطيرا وغير مسبوق على القرآن الكريم، هي تعبيرهم الصريح بأن "السنة قاضية على القرآن"، محاولة منهم لإثبات قداستها وإشارة لمنع أي محاولة لوضع الحديث تحت المقاربة القرآنية !!
و قد حاول الفقهاء بعد ذلك أن "يترجموا" كلمة "قاضية" بمفسرة و مبينة ليتجنبوا "إحراج" السلف، كما لو أن القائل لم يجد من المترادفات الموجودة باللغة العربية غير كلمة "قاضية" !!!
وقد ازداد أهل الحديث تشبتا بهذا المبدأ، ولم يقبلوا بقاعدة تصحيح الحديث لموافقة القرآن له، وكان بعضهم "كريما" فسمح بالاستئناس بالقرآن لتحسين الحديث ولم يقره كدليل على صحته !!
كما أن الكثير من الروايات التي يتم نقد متنها بالاعتماد على قاعدة التوافق أو التعارض مع القرآن الكريم، يتم فيها تغليب صحة الإسناد وتبقى صحيحة !! ويكون تبرير التناقض باستعمال جوكر الناسخ والمنسوخ.
فكما هو معلوم فالسنة (حسب الفقه التقليدي) يمكن أن تكون ناسخة للقرآن !!
فإذا كان هناك على اعتراض على حديث ما بحجة تعارضه مع آية قرآنية، كان الحل هو أنه ناسخ لها !!
وقد استنكرنا هذا الكلام بل وأنكرنا الناسخ والمنسوخ جملة وتفصيلا في بحث منفرد، ولا مجال لإعادة الكلام هنا.
قبل الختام، لا بد أن نشير في الأخير وبشكل عام أن اختلاف أهل الحديث حول شروط صحة الحديث، واختلافهم حول الجرح والتعديل يجعل أمر إجماعهم حول المسألة برمتها وهما كبيرا، وبالتال يبقى ما يسمى بعلم الحديث مليئا بثغرات تفقده تلك العلمية المزعومة.
فأي علم مازال الاختلاف على أهم ركائزه قائما؟
وأي علم يبقى محصورا لدى أمة لا تعترف به باقي الأمم؟
واما ما يزيد الطين بلة هو قولة الإمام بن موسى الحازمي: "علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ المائة، كل منها علم مستقل لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته...."
فأي علم هذا الذي لا يكفي عمر الإنسان لاستيعابه؟ وأي فائدة مرجوة إذا استحال ذلك؟
أما إذا تساءلنا عن فعالية مصطلح الحديث أو علم الحديث، فنقول:
لماذا بقيت الأحاديث غير الصحيحة متداولة إلى يومنا هذا ؟؟؟؟
لماذا لا يستطيع عامة الناس لحد الآن التفريق بين الحديث الصحيح وغيره؟
لماذا لم ينجح أهل الحديث من إبعاد الأحاديث الغير الصحيحة والتي من بين آثار تواجدها التيارات المتطرفة وجماعات التكفير؟
ما فائدة كل تلك الكتب والشروح والأبحاث ولا زال السواد الأعظم من المسلمين لا يستطيع تمييز الحديث الصحيح من الموضوع أو الضعيف أو ما يدخل ضمن الاسرائيليات ؟
وحدهم المتخصصون بل فقط نسبة ضئيلة منهم من يمكنهم فرز الصحيح من الضعيف والحسن من الغريب... !! ويحتاجون في غالب الأحيان إلى البحث والتنقيب في الكتب لكي يفعل ذلك !! هذا دون أن نشير إلى الاختلافات الموجودة حسب التيارات والمذاهب !!
خلاصة:
هذه الدراسة كانت مهمة لتوضيح أمر هام هو:
ليس مصطلح أو علم الحديث بتلك الهالة التي يحاول معظم الفقهاء أو علماء الشريعة تصويرها لنا.
ووجود كل ذلك الزخم الكبير من الكتب والشروحات حول الحديث علم الحديث ما هو إلا غثاء كغثاء السيل حاول السلف أو جلهم أن يعطوه حجما أكبر من حجمه الحقيقي لينافس كلام الله الذي لا يساويه أي كلام آخر.
اعتبارا لكل ما قلنا، نستنتج أن الأحاديث أو ما أحبذ أن أصطلح عليها بالروايات، ليس ملزمة مادامت ظنية.
وبما أنها وطبقا لما شرحناه سالفا فقد تعرضت للتحريف باعتراف السابقين، وتبقى وبشكل مؤقت للاستئناس فقط ما صح منها وفق منهج متكامل يتأسس على قواعد علمية وضوابط عقلانية.
وقد اقترحنا في مقال منفصل منهجا لتنقية وغربلة الأحاديث، وهو عمل وإن كان ليس إلزاميا لكننا ننصح به في انتظار أن يهضم عامة المسلمين ما قمنا بالتفصيل فيه في هذا البحث.
ومن أجل ذلك ليس هناك ما يمنع من العمل والاقتداء بما ثبت فيها من فائدة صالحة لزمن تطبيقها، بشرط أن تكرس لما شرعه الله وحض عليه في قرآنه الكريم.
ونؤكد ونذكر في الأخير وكما قلنا في بداية الدراسة، أن الهدف مما قمنا به ليس تسفيه كلام السلف أو استصغار مجهوداتهم بل هو نقد بناء يبين محاسن ومساوئ ما وصلوا إليه، كما أنه ليس إنكارا لكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما هو وضع الحديث النبوي في إطاره الحقيقي ورفض كل ما يخالف سنة الله التي وضعها لعباده.
** الكاتب : وديع كيتان **
[ 1 ] تعليقات :
2017-11-16 20:12:51زكريا من المغربzakari_ana@hotmail.com
بحث رائع ومنطقي ، و لك الشكر ، اللهم افتح عقولنا و اغسلها من الخرافات .
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))