هذا الموضوع يدخل في سلسلة كلمات قرآنية:
في هذا المقال سنتطرق لمثال لألفاظ مترادفة، ولكن لكل لفظ منها دلالة معينة
ودون الخوض في قضية الترادف التي اختلف فيها اللغويون، فمنهم من أنكرها ومنهم من أجازها، وقد عبرنا عن رأينا في المسألة، وقلنا في أكثر من مناسبة، أن الترادف موجود في مفردات القرآن الكريم، ولكنه ليس تطابقا في المعنى أو بالأحرى الدلالة، بل هو تشابه في المعنى أو تقريب للمعنى بين اللفظ ومرادفه.
وإيمانا منا بالقاعدة اللغوية: «إذا تغير المبنى تغير المعنى»، فكل لفظ يدل على شيء مختلف عما يدل عليه اللفظ الذي يترادف معه في المعنى.
وسنتعرض في هذا الموضوع لكلمات: الجسم والجسد والبدن
وسنرى أنه مثال حي لألفاظ مترادفة، أي متشابهة في المعنى، بل وتُتداول بشكل عشوائي لأن الاستعمال اللغوي الشائع ليس بالضرورة صوابا.
فاختلاف مبنى الألفاظ التي سنُقدمها يدل على اختلاف المعنى أو الدلالة إذا أردنا أن نكون أكثر دقة.
كل هذه الألفاظ تعبر عن تركيبة الإنسان المادية (إن صح التعبير).
فإذا بحثت في المعجم، سترى الجسم هو الجسد، والجسد هو البدن، ولا فرق بينها.
إنما هذه الألفاظ فقد استُعملت كلها في النص القرآني، وبالتالي فالسياق التي تعبر عنه الآية القرآنية هو الكفيل بأن يحدد الدلالة الحقيقية لكل من هذه الألفاظ.
الجسم:
لما يكون الإنسان حيا، نتكلم عن جسم الإنسان، والجسم مادة حية، تتكلم وتتنفس، وتأكل وتشرب.
يقول تعالى عن الملك طالوت:
فالجسم لا يوصَف به إلا كل حي.
ويمكن أن نطلق الجسم على كل مخلوق حي، سواء كان إنسانا أو حيوانا أو نباتا.
البَدَن:
وحين يموت الإنسان يصبح جسمه بدنا، وهي ما نطلق عليه باللغة العصرية لفظ جثة.
لما غرق فرعون في البحر، نجاه الله ببدنه حيث قال تعالى :
والبدن هنا هي الجثة.
وقد قرأت لأحد المتفيهقين بخصوص هذه الآيات، كلاما زعم فيه أن فرعون لم يمت غرقا، وقد عاش من بعد، واعتمد على فهمه السقيم لعبارة «ننجيك ببدنك» وفهم أنه نجا من الغرق.
ولو قال تعالى «ننجيك» فقط لقبلنا كلامه ولو أنه لا السياق ولا التاريخ يخدم كلامه، ولكن إضافة «ببدنك» هي كانت ضرورية لمحو كل لُبس في احتمال أن تُفهم الآية بغير مرادها.
والحقيقة أن من يتدبر جيدا الآية الكريمة، فسيرى فيها بلاغة وتدقيقا لا يمكن أن يصدر في نص بشري أي مكتوب من لدن البشر.
فعبارة «ننجيك ببدنك» معناها أن تنجية فرعون لم تكن تنجية لفرعون نفسه من الغرق، ولكنه تنجية لبدنه فقط أي جثته بعد غرقها، فكلنا نعلم أن جثة الغريق إذا لم ينتشلها أحد فور غرقها، تصبح مفقودة وتنهشها الحيتان.
ولكن الله أراد أن تبقى الجثة ويراها الناس ويعرفوا أن فرعون مات غرقا وأن الله تعالى أغرقه هو وجنوده وأنجى موسى وقومه.
باختصار، البَدَن هو الجثة.
وإذا لاحظنا لفظا آخر شبيه للفظ «بَدَن» وهو «بُدْن»، فقد ورد في قوله تعالى :
والبُدْن هنا هي الذبائح التي تُهدى في مناسك الحج، فإذن هي جثت الأنعام بعد الذبح، سماها ربنا عز وجل بالبُدن، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه.
الجسد:
يقول تعالى :
انظروا لقوله تعالى، كيف يستعمل مصطلحا ويعطي في نفس الوقت ومن خلال السياق المعنى المراد إيصاله.
فاستعمال لفظ الجسد هنا ليس اختيارا اعتباطيا، ولكنه دقيق، فالآية الكريمة جاءت بعد الآية:
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
فهنا الكلام عن الرسل الذين يؤكد سبحانه وتعالى على أنهم بشر ولهم جسد ويأكلون الطعام ويموتون ككل البشر، وجاء التعبير بصيغة النفي (نفي أن يكونوا غير ذلك).
ومنه نستنبط أن الجسد هو يرمز لجسم لا يمكنه أكل الطعام، وهو يشبه الجسم في كل شيء إلا أنه بيولوجيا ليس بجسم.
وإذا ذهبنا إلى آية أخرى، سوف يتبين لنا ما يؤكد هذا الكلام، وهذا ما نسميه دائما بقاعدة تقاطع الآيات.
يقول تعالى:
هنا تتكلم الآية عن الملائكة التي أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم ليبشروه بإسحق، وإلى قوم لوط لكي يُهلكوهم، ولكنهم أتوا على شكل بشر، فلما قدَّم لهم إبراهيم الطعام لم يستطيعوا أكله لأنهم في الحقيقة ليسوا بشرا فتوجس إبراهيم منهم خيفة، وطمأنوه بأنهم رُسلٌ من عند ربهم.
إذاَ فقد تمثل الملائكة لإبراهيم بأجساد بشرية ولكنها لا تأكل الطعام.
وهذه الآية التالية تؤكد كلامنا وتوضح بشكل ملموس ما نحن بصدده، قوله تعالى:
فعجل السامري هذا هو مثال للجسد. وهو مثال تقريبي لمُجسم مصنوع من الذهب على شكل صنم، وله خوار وهو صوت العجل، وقد قيل إنه صوت ناتج عن تفاعل الريح مع ثقوب في الصنم.
وحتى الآية الأخيرة التي سنختم بها الموضوع، وهي عن قصة سليمان، في قوله تعالى:
فهي تذهب في نفس المنحى، وبغض النظر عن الحكايات التي قيلت حول هذا الحدث، ومعظمها خرافات وإسرائيليات، إلا أن المهم هو أن الجسد هنا يرمز إلى ما ذكرناه سابقا بأنه شكل جسم وما هو بجسم بشري، لأن الأمر كان الغرض منه فتنة النبي سليمان.
الخلاصة:
الفرق بين الجسد والجسم، هو أن الجسد شكله شكل جسم ولكن لا حياة فيه، وباطنه فارغ، ليس فيه أعضاء حية مثل القلب والمخ والأعصاب والعروق وغيرها....
على عكس الجسم الذي يكون لدى البشر، وهذا هو الفرق.
وأما البَدن فهو الجسم الذي يموت ويصبح جثة.
هذا والله أعلم....
** الكاتب : وديع كيتان **
لمشاهدة حلقة اليوتيوب الخاصة بالموضوع :
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))