ألا تتساءل أخي المسلم كيف للقلب أن يخشع أو يرق خوفا وإجلالا للخالق من دون فهم للمعنى أو لمجرد تلاوة ميتة لا تدبر فيها ولا تفقه؟
عندما تسمع قوله تعالى :
ألا تتساءل أخي المسلم كيف للقلب أن يخشع أو يرق خوفا وإجلالا للخالق من دون فهم للمعنى أو لمجرد تلاوة ميتة لا تدبر فيها ولا تفقه؟
لما وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالفلاح أول ما وصف به حين قال في سورة "المؤمنون" :(( قد أفلح المؤمنون))، وبدأ الوصف بالخاشعين في الصلاة (( الذين هم في صلاتهم خاشعون ))، كان هذا أكبر دليل على أهمية الخشوع في الصلاة، والذي يعني وفقا للآية السابقة: )) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه (( أي أن يرق قلبهم لما يسمعوا الذكر، وكيف سيتم ذلك بدون إدراك واستيعاب لمعنى آيات الله؟ وكيف سيتم هذا الإدراك بدون تدبر؟
يجب أن نفرق هنا بين أمرين، تأثر المؤمنين المقصودين بالآيتين المذكورتين بخشوعهم ووجل قلوبهم، وبين التأثر بوقع آيات القرآن الكريم على أسماع المتلقي الذي مازال لم يؤمن بعد، وقد شرحنا هذا الأمر في حلقة الإعجاز السماعي للقرآن الكريم، وقلنا إن غير المؤمنين يمكن أن يتأثروا بمجرد سماعهم لبعض لآيات الله أو معظمها.
مبدئيا، يجب على المسلمين أن يفقهوا الهدف من إنزال القرآن من لدنه عز وجل حين قال:
الهدف والمغزى، هو تدبر الآيات وتذكر ما تدبرناه وفهمناه.
وهنا تأتي الإجابة على سؤال: هل تدبر القرآن فرض عين أم فرض كفاية؟
أي هل المعني بالأمر هم كل فئات المسلمين، أم فقط فئة معينة تنوب عنهم؟
في الحقيقة، الجواب عن هذا السؤال أمر ليس بالسهل، ففي نفس الوقت الذي نفهم أن المخاطب بالتدبر هنا هم كل المؤمنين المسلمين الموحدين، يأتي ربط التذكر بعنصر مهم هو العقلنة (أولوا الألباب).
هل يمكن أن نفهم أن أولي الألباب من المؤمنين هم فقط المؤهلون لممارسة عملية التدبر والتذكر معا؟
يبدو كذلك، ولكن ولحسن الحظ أن هذه الصفة لا تخص فئة معينة، مثل الدارسين أو المتخصصين أو العلماء، فالعقلنة هي متاحة لكل من يملك قلبا وعقلا ورغبة حقيقية في الإقبال على كلام الله ولو سمعا وليس قراءة.
وهنا طبعا نقر بوجود تفاوت في مسألة العقلنة وبالتالي في عملية التدبر ككل، ولكن هذا لا يعفي من أن المسلمين والمؤمنين بالقرآن معنيون بها على اختلاف درجة علمهم ومستواهم الفكري.
يبقى الهدف الأول إذن هو التدبر والذي يجب أن يتبعه التذكر.
فلا تذكر بدون تدبر، والذكر والتذكر هو أمر إلهي لكل المسلمين
دليل آخر يؤكد قولنا، هو حثه سبحانه وتعالى على أمر التدبر، بطريقة الاستفهام الإستنكاري حين قال:
فهذا أمر بصيغة الاستفهام الاستنكاري، للمؤمنين بتدبر القرآن، وهذا أسلوب قرآني بامتياز.
كذلك تبين الآية أن التدبر متاح للكل، ولا يحتاج لشروط صعبة بل فقط لكسر أقفال القلوب، أي تواجد إرادة ونية سليمة.
بعد تقديمنا للحجج الكافية، نستنتج أن تدبر القرآن أمر إلهي وفريضة على المسلمين.
ولكن وليكون كلامنا أكثر قبولا، فمن الواجب الإجابة عن سؤال آخر ليتم توضيح قولنا السابق بالتأكيد على وجوب التدبر بالنسبة لكل المسلمين وليس فقط بعصهم، وهو:
هل من الضروري تدبر كل القرآن الكريم أم فقط بعضه؟
الجواب بكل بساطة، هو بعض القرآن طبعا، والأدلة كثيرة نذكر أهمها:
أولا، حتى الآن لم نصل إلى تدبر كل القرآن وكل آياته، فكيف يمكن أن نحكم بوجوب تدبر كل القرآن في ظل وجود آيات كثيرة لم نفهم إلى الآن مغزاها ولا معناها؟
وأكبر مثال هي الآيات الكونية، أي التي تحتاج إلى علم كوني لا يمكن أن يتأتى في لحظة أو عصر معين، وطبعا هذه من سنن الله تعالى، ألا نحيط بعلمه إلا بما شاء.
ثانيا، كتاب الله المُنْزل، طالما فيه آيات محكمات وأخر متشابهات كما جاء ذكر ذلك في سورة آل عمران، فالتدبر من المفروض أن يكون خاصا بشكل أساسي بالآيات المحكمات، وأما المتشابهات فتدبرها ثانوي ولو أنه مهم أيضا لاستنباط أمور عديدة.
وبالتالي فالجواب هو أننا معنيون بتدبر بعض القرآن لا كله، خصوصا ما تعلق بالعقيدة والأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، وما شابه ذلك.
وهذا الجواب ما سيجعل أمر تعميم فريضة التدبر لدى كل المسلمين مقبولا، لأنه أي التدبر سوف يكون ضروريا لمعرفة أساسيات الدين على الأقل.
أما الإجابة عن سؤال:
هل يمكن لغير المتمدرسين أو لغير المثقفين أو لمن ليس له شهادة جامعية أو الأميون بالمعنى المتداول أن يتدبروا القرآن الكريم؟
فسيتطلب مبدئيا وقبل كل شيء، التسليم بالإجابات السابقة خصوصا ما يتعلق بتدبر بعض القرآن لا كله.
ثم بعد ذلك، يجب أن نضع في الاعتبار أن الله سبحانه وتعالى، ولكي يساعدنا على التدبر، جعل القرآن ميسرا لذلك حين قال:
وهذا يجعلنا نزداد يقينا أن القرآن مُيسر للذكر والتذكر والتدبر وأننا بمجرد أن نفتح قلوبنا وعقولنا، ستنقشع أمامنا غيوم الجهل وتشرق شمس المعرفة.
وبالتالي يكون الجواب هو، نعم التدبر متاح لكل الفئات الاجتماعية من أميين وغير أميين بمختلف مستوياتهم المعرفية والأكاديمية، ولكل نصيبه، ولهذا قلنا بوجوب فقط تدبر بعض القرآن وليس كله، أي الأولى ما يجب على المسلم أن يعلمه من ثوابت العقيدة والأحكام وغيرها.
فالقرآن إذن موجه للعالمين، والملزم من كلام الله هو ما يجب معرفته والإيمان به، ولا يعذر بجهله أي كان.
وهنا نستحضر السؤال الذي يفرض نفسه وهو:
هل يُعذر أو يُعفى من يجهل اللغة العربية أو اللسان العربي من تدبر القرآن؟
كون رسالة الإسلام هي موجهة للعالمين، وكون اللغة العربية قابلة للتعلم، وقابلة أيضا للترجمة، فغير الناطقين بالعربية، من الممكن أن يُقبلوا على القرآن ويتدبروه إذ هم اجتهدوا في تعلم العربية.
والكل يعلم أن الكثيرين من الأعاجم تعلموا اللغة العربية، بل وأبدعوا فيها ودرسوا القرآن ومنهم من أسلم وآمن ومنهم من درس كتب الدين لأجل غرض آخر.
ونحن يهمنا من أسلم وأراد أن يقرأ ويتدبر، فهل يُعذر ويُعفى من التدبر من يجهل اللغة العربية؟
برأيي لا يُعفى، أولا لأنه يجب أن يعرف دينه بنفسه وليس فقط ما يقرأه من تراجم الآخرين.
ثانيا ما دام طالب العلم يتعلم لغة أو أكثر لكي يتلقى الدروس باللغة التي تعلمها، فما يمنعه لتعلم لغة واحدة من اجل تدبر أمور دينه وخصوصا كلام الله المتمثل في القرآن الكريم؟
ويصبح المؤمن بالتالي، ومهما كانت لغته الأم، ملزما بتعلم اللغة العربية ولا يُعذر في ذلك، لأن القرآن أنزل بلسان عربي مبين، ولا سبيل لتدبره أو تدبر بعضه إلا بتعلم اللسان العربي.
ما الأولى؟ حفظ القرآن أم تدبره؟
هذا السؤال هو جد مهم، لأنني أرى الجواب عنه ضروريا كونه يدخل فيما يسمى بفقه الأولويات.
فبعد أن كان حفظ القرآن حين ظهور الرسالة أمرا يعد من الأولويات كون الإسلام في بداية انتشاره، والقرآن الكريم هو حامل رسالته، فمن البديهي أن يكون آنذاك حفظ القرآن هو مرحلة مهمة لحفظ النص القرآني، لكي يتم تواتره عبر الأجيال، وهو وسيلة سخرها الله لحفظ الذكر، مصداقا لقوله تعالى:
أما في عصرنا الحالي أو العصور المتأخرة التي يتم فيها حفظ القرآن بطرق عديدة من طباعة على الورق إلى رقمنة عبر الحاسوب، وبعد أن أصبح من المستحيل ضياعه، فلم يعد حفظ القرآن في القلب من الأولويات خصوصا على حساب فهمه وتدبره الذي أمر به الله المؤمنين، وحثهم عليه، كما وضحنا سابقا.
هذا لا يعني أن نهمل حفظ القرآن أو أننا ننادي بوقف هذه السُّنة الحسنة، ولكنني أرى من العبث مثلا أن يتهافت المسلمون خصوصا كبار السن على حفظه أو ختم أحزابه الستين كل شهر مثلا، وهم لا يُكلفون أنفسهم بتدبر آيات بينات، أو استنباط مفاهيم يمكن أن تفيد الفرد أو المجتمع، ونحن نعلم فوق هذا أن الله عز وجل، لم يطالب عباده بحفظ القرآن الكريم، بل حتى القراءة، اكتفى بالحث على ما تيسر منه، مصداقا لقوله تعالى :
التدبثم هناك مسألة أخرى غاية في الأهمية وهي الدليل الثاني على أن الأولوية يجب أن تُعطى للتدبر لا للحفظ، وهي ما جاء في القرآن الكريم، الآية 5 من سورة الجمعة :ر هو الوسيلة لمعرفة الحق سبحانه، ومن عرفه أطاعه ؟
ونزلت بخصوص اليهود الذين نزل عليهم التوراة، فحملوها لفظا دون معرفة وفهم وتطبيق، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا، وطبعا هذا تنبيه لكل من يحفظ كلاما لا يدري معناه، خصوصا إذا كان هذا الكلام صادرا عنه سبحانه وتعالى، وأنه يحمل أحكاما أو أوامر أو نواهي تستدعي التطبيق أو شيئا يستدعي التصديق.
أبعد هذا، نحتاج إلى دليل آخر على أولوية التدبر وأنه مُقدم على الحفظ؟
أخيرا وليس آخرا، ولتوضيح أهمية التدبر وضرورته، وأنه ليس عملا تطوعيا أو ترفا فكريا كما يمكن أن يتوهم البعض، يكفينا أن نذكر أهم ثمرة للتدبر، وهو استجلاء مصدريته الربانية وأنه كلام الله وليس كلام البشر، مصداق لقوله تعالى:
فتدبر القرآن هو مفتاح معرفة الله وبالتالي معرفة خالقنا وربنا وولي نعمنا، ثم يأتي بعد ذلك فهم الدين الذي ارتضاه لنا وهو الإسلام.
فالتدبر هو الذي سيمكننا من:
- معرفة حدود الله
- التفريق بين الحلال والحرام
- معرفة الأوامر والنواهي
- ما يدخل الجنة وما يؤدي إلى النار.
- ......
القرآن الكريم معين لا ينضب...خزانة للحق لا تفرغ ولا تنفذ.
روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
)) فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ((
فهل بعد كل ما قلنا يمكننا الاستغناء عن تدبر التنزيل الحكيم؟
بعد أن انتهينا من معرفة دوافع تدبر القرآن الكريم، وأنه فريضة على كل المسلمين باختلاف مستواهم الفكري والثقافي والعلمي، وباختلاف ألسنتهم، وأن الوجوب يخص بعض القرآن وليس كُلَّه، وأن التدبر مُقدم على الحفظ، وأنه وحده من سيزيدنا يقينا بأن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سنتطرق في الحلقة المقبلة بحول الله، لما يستوجب معرفته قبل مباشرة عملية تدبر القرآن الكريم، وفيها سنتبين بعض الأمور التي من اللازم أن نضعها في الحسبان قبل الإقبال على هذه الفريضة المهمة بل والأهم بعد الإيمان بالله تعالى.
** الكاتب : وديع كيتان **
لمشاهدة حلقة اليوتيوب الخاصة بالموضوع :
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))