من المسائل التي يعتقد عامة المسلمين أنها رخصة من الرخص التي أجازها الإسلام : مسألة القصر من الصلاة في السفر.

وقبل البحث في شرعية هذه الرخصة، وفي وجودها أصلا، يجب أن نبين سبب تعرضنا لهذه القضية، أي وجبت الإجابة عن السؤال التالي:

لماذا الحديث عن قضية القصر من الصلاة في السفر؟؟؟

طبعا دائما نقول إن تعرضنا لمختلف القضايا ليس من الترف الفكري، ولكنها ضرورة يفرضها وجوب توضيح ما يجب توضيحه بخصوص عقيدة أو حكم أو حلال أو حرام، إما سيء فهمه، أو تم تزييفه لغرض في نفس يعقوب.

في قضيتنا هذه، أهم الأسباب هي:

أولا:

لأن الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي عماد الدين، وتأديتها يجب أن تكون على الوجه الصحيح، من حيث إقامتها، وليس من السهل تغيير شكلها او تركيبتها من غير تشريع قرآني أو دليل قطعي.

وهذا ما ينبغي لما فيه من الاحتياط للدين، لقول النبي ﷺ : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وقوله ﷺ: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه".

ثانيا :

إثبات ما تكلمنا عنه بخصوص مشروع تقويم موروثنا الإسلامي، أن بالإمكان توارث مفاهيم مغلوطة طيلة مدة زمنية طويلة من دون أن يكون لدينا حس نقدي لإصلاح الخطأ.

وهذا من صميم عملنا كمجددين لفهم الإسلام الدين القويم.

في هذه الحلقة، سوف نحاول تسليط الضوء هذه القضية من جوانب عدة، وأساسا من خلال تدبرنا للآية القرآنية التي تأصل لها، والتي سوف نتدارسها بطريقة علمية خالية من تأثيرات أقوال السلف، والهدف من ذلك هو استجلاء الحقيقة في مسألة تخص أهم ركن من أركان الإسلام، والتي من خلالها سوف نفصل في ماهية شروط القصر في الصلاة.

قبل الخوض في عمق المسألة، يجب أن يعرف المسلم أصل المسألة، وأي نص تم الاعتماد عليه وهذا ما يجهله عادة العامة من الناس في كل قضية دينية.

بالنسبة للقصر من الصلاة هو أصله نصوص قرآنية، أي آية أو آيات قرآنية تم فيها الترخيص للمسلمين بذلك وفق شروط معينة.

تعالوا نستعرض ما جاء في القرآن الكريم بخصوص هذه الرخصة، يقول تعالى :

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

-101-102- سورة النساء

هذه آيات بينات توضح بشكل تفصيلي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها القصر من الصلاة وهي حالة الحرب (وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ )، بل واشترط قبل ذلك أن يكون المسلمون في حالة سفر أي ضاربون في الأرض ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)

والضرب في الأرض هو ما يكون أثناء السفر من منطقة لأخرى، وليس السفر أن تكون مقيما مستقرا في مدينة أخرى، فهذا لا يسمى ضربا في الأرض، وسنوضح بعد ذلك لماذا وضحنا الفرق بين الحالتين.

ثم في الآية الكريمة قد دقق الله تعالى أكثر فقَيَّد الرخصة بوجود حالة أخرى وهي الخوف وعدم الطمأنينة (إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ)، ولذلك سميت صلاة الخوف.

كما نرى، فالآيات توضح بشكل مستفيض متى يمكن القصر من الصلاة، و الشروط الواجب توفرها لكي يُرخَّص التقصير في الصلاة وهي : التواجد في حالة حرب مع السفر، ثم التوفر على شرط آخر وهو الخوف الذي بدونه لا تبقى للرخصة أي معنىن وذلك بدليل قوله تعالى في الآية الموالية :

(( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا

- 103 - سورة النساء

وفق الآية، فالقصر من الصلاة لا يبقى متاحا إن زال الخوف وتحقق الاطمئنان.

وبالتالي يتأكد لنا بوضوح أن السفر ليس شرطاُ كافيا للقصر من الصلاة، فالخوف من العدو أو عدم الاطمئنان شرط أساسي، وبدونه تزول رخصة صلاة التقصير.

وهنا يحق لنا أن نتساءل:

لماذا لم تقتصر الآية السابقة على السفر كشرط وحيد لكي ترخص للمسافر القصر من الصلاة؟ ولماذا اشترطت الحرب بل والخوف كذلك؟

أو كان من الممكن كذلك أن تُذكر حالة السفر للترخيص بالقصر من الصلاة، كما كان الشأن بالنسبة للصيام؟ والتي أعيد ذكرها مرتين ؟؟

هذه أسئلة، تؤكد أن السفر لا يرخِّص للقصر من الصلاة، فليس الأمر كالصيام، فرخصة الإفطار في رمضان، هو بسبب المشقة والعناء الذي يتحملهما المسافر، وكذلك المريض تُتاح له نفس الرخصة ولنفس السبب.

وأما الصلاة فالرخصة هي لسبب آخر لا يتوفر لا في المسافر ولا في المريض..

وهنا .. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، لماذا كان شرط الخوف ضروريا لحصول الرخصة ؟

طبعا لأن بطش الأعداء يمكن أن يتم فجأة وفي أي لحظة، ولذلك وجب الحذر والقصر من الصلاة، لأن ركعة واحدة ليست هي أربع ركعات، ثم لقد بين الله تعالى الطريقة الخاصة التي يجب أن يصلي بها المجاهدون مع النبي ﷺ (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ) ، وشدد عز وجل كذلك على أخذ الأسلحة. إذن فهي حالة خاصة جدا تلك التي كانت فيها الرخصة.

وأما بالنسبة للمسافر، وببساطة شديدة لا تحتاج إلى عبقرية كبيرة، ليس هناك ما يمنعه أن يقيم صلاته كاملة من دون قصر ما دام ليس هناك مانع معقول لذلك كالخوف مثلا.

ثم قياسا بفريضة الصيام، وعلى عكس الصائم الذي يصير السفر بالنسبة إليه في بعض الأحيان مشقة يتجشمها بصعوبة، لا تشكل الصلاة مشقة بالغة تحتم على المسافر أن يقصر من صلاته !!

بل وبالرغم من أن الصيام أشق على المسافر من الصلاة، فقد حث الله تعالى عباده على الصوم إن كان قادرا عليه، حيث قال : "فمن تطوع خيرا فهو خير له". وهذا دليل آخر على أن التطوع لإكمال الفرائض مستحب.

وبالتالي وعلى ضوء ما قلنا، فكيف لنا أن نكتفي بشرط السفر كشرط وحيد للقصر من الصلاة؟؟؟

نأتي الآن إلى الآية الثانية التي ذكر فيها الخوف كشرط لتغيير شكل الصلاة وليس للقصر، وهذا دليل ثاني على أن الخوف وحده من يرخص لعدم إقامة الصلاة بالشكل الذي أمرنا الله به.

يقول تعالى :

حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (238) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ( 239)

سورة البقرة.

هنا الآية تؤكد كذلك أن الخوف كان دائما شرط التغيير من شكل الصلاة المفروضة.

وحتى المفسرون ذكروا أنها صلاة الخوف.

ولاحظ، هنا لم يشرع سبحانه وتعالى القصر من الصلاة، بل فقط راكبين أو راجلين.

وبالتالي فالخوف وحده الذي يشكل استثناء في عدم القيام بالصلاة كما أمرنا الله بها وعلمنا إياها.

ما قدمنا من دلائل أعتقد أنها كافية كبرهان على كلامنا واستنتاجنا.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو:

من أين استقينا رخصة القصر من الصلاة عند السفر والتي لم يُجِزْها القرآن؟

طبعا مما ورثناه أبا عن جد، وما يحمله موروثنا الإسلامي، ولم يسأل أيٌّ منا عن أصل ذلك !!

الطبيعي في العبادات مثل الصلاة، أن نعتمد على السنة العملية لنبينا ﷺ، فنحن تناقلناها جمعا عن جمع في إشهاد، أما صلاة المسافر، فلا تخضع لنفس القاعدة، لعدة أسباب، أهمها أنها تحدث بشكل استثنائي، وبالتالي فتناقلها تم بطريقة أخرى، وهي أنها استنبطت من روايات الحديث.

تعالوا نستعرض ما جاء في الروايات عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، في هذا الصدد:

1. باب صلاة المسافرين وقصرها 685 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت ثم فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر .

صحيح مسلم ج 1 ص 478.

هذه الرواية وغيرها التي جاءت في عدة صيغ كلها تتكلم عن نفس المبدأ، وهي ثنائية ركعات الصلوات فهي إما إثنان أو أربعة.

وهنا نجد إشكالا آخر يضع هذه الرواية في موضع حرج فثنائية الركعات تتعارض أصلا مع حالة صلاة المغرب ذات الثلاثة ركعات والتي لا تتحقق فيها هذه الثنائية ، وهذا ما يجعل الرواية غير مقبولة من حيث الاستدلال المنطقي والعقلي.

ورأيي أن الرواية وما شابهها وُضِعت لتأكيد مشروعية القصر في الصلاة.

2. 687 حدثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وأبو الربيع وقتيبة بن سعيد قال يحيى أخبرنا وقال الآخرون حدثنا أبو عوانة عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن بن عباس قال ثم فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة .

صحيح مسلم ج 1 ص 479.

3. باب الجمع بين الوقوف في الحضر 705 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا خوف ولا سفر.

صحيح مسلم ج 1 ص 489 .

4. رقم 1040 حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة ما بال عائشة تتم قال تأولت ما تأول عثمان.

صحيح البخاري ج 1 ص 369.

الملاحظة الأولى :

هذه الروايات وغيرها والتي جاءت في صيغ متقاربة كلها تتكلم عن نفس المبدأ، وهي ثنائية ركعات الصلوات فهي إما إثنان أو أربعة.

وهنا نجد إشكالا آخر يضع هذه الرواية في موضع حرج فثنائية الركعات تتعارض أصلا مع حالة صلاة المغرب ذات الثلاثة ركعات والتي لا تتحقق فيها هذه الثنائية، وهذا ما يجعل تلك الروايات غير مقبولة من حيث الاستدلال المنطقي والعقلي.

الملاحظة الثانية:

الروايات السابقة، هي ليست أقوالا للرسول ﷺ بل هي روايات عن أقوال الصحابة، ولا أدرى لماذا لا يوجد ولو حديث على لسان النبي ﷺ يشرع فيه أو يرخص فيه القصر من الصلاة للمسافر؟؟؟ ولا أدري هل تُعَدُّ أقوالهم تشريعا ؟؟؟ وهذا مبحث آخر يستدعي مقالا آخر.

وأما الحديث الذي يستدل به التراثيون في سبب إبقاء القصر من الصلاة عند السفر ولو بدون توفر شرط الخوف، هو ما جاء فيما يلي :

6. باب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح 4046 حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان وحدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس رضي الله عنه قال ثم أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشرا نقصر لصلاة 4047 حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا عاصم عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما قال ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين 4048 حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن عاصم عن عكرمة عن بن عباس قال ثم أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر لصلاة وقال بن عباس ونحن نقصر ا بيننا وبين تسع عشرة فإذا زدنا أتممنا.

صحيح البخاري ج 4 ص 1564.

دون البحث في صحة هذه الرواية من حيث المتن، لأنه لا قيمة لدى السلف للمتن إذا صح الحديث سندا، وبالتالي يمكننا أن نكتفي بالسؤال التالي :

كيف يكون القصر في السفر بدون خوف، وفي الحرب أوجب سبحانه تعالى الصلاة كاملة في حالة الإطمئنان؟؟

إن الصلاة عماد الدين، وعدد الركعات هي من أركان الصلاة، فهل يمكن الاعتماد على روايات آحاد وهي روايات ظنية لشرعنة رخصة القصر من صلاة السفر؟

وهل يمكن أن نستنبط منها حكما خاصا بعبادة مثل عبادة الصلاة؟

بقي أن نذكر الأمر الآخر الذي تمت شرعنته بعيدا عن التأصيل القرآني، وهو إزالة شرط الخوف وتعويضه بمسافة السفر!!!!

بل لم يتم الاقتصار فقط على المسافر الذي يضرب في الأرض، بل تعداه إلى المقيم في بلد آخر غير بلده !!!!

والمفاجأة كما ستعلمون هو أن هناك اختلافا في كم يُقصَر من الصلاة، أي مسافة السفر !!!

كما أن الاختلاف أيضا موجود في مدة الإقامة في بلد آخر، والتي يُرخص فيها القصر من السفر!!

هذا تشريع جديد سوف نتعرف على أصله، ونتدارس مصداقيته.

من حيث المسافة، اختلف السلف في أقوالهم، وهذا ما يجعلنا نشك أكثر في شرعية القصر من الصلاة في السفر. فكما قلنا الاختلاف يقضي على المصداقية.

- فهناك قول : أربعة برد، فيما يعادل 70 أو 80 كلم، وهذا ما يقول الموروث أنه اتفاق جمهور أهل العلم !!!! والمسافة تم استنباطها من جملة "مسافة يوم وليلة"

7. باب في كم يقصر الصلاة وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا وكان بن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا.

صحيح البخاري ج 1 ص 368.

8. رقم 686 وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال إسحاق أخبرنا وقال الآخرون حدثنا عبد الله بن إدريس عن بن جريج عن بن أبي عمار عن عبد الله بن بأبيه عن يعلي بن أمية قال ثم قلت لعمر بن الخطاب : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.

صحيح مسلم ج 1 ص 478.

وهنا نلاحظ تعبير "أمن الناس" أي أن القصر في الصلاة سببه انعدام الأمن وليس السفر في حد ذاته !!!

9. في مسيرة كم يقصر الصلاة 8113 حدثنا أبوبكر قال حدثنا هشيم عن أبي هارون عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فرسخا قصر الصلاة.

مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 200.

- وهناك قول أنه ليس هناك مسافة محددة، يكفي أن يكون سفرا طويلا كان أو قصيرا.

وهذه الاختلافات في الروايات وفي أقوال المذاهب، يجعلنا نشك أكثر في مصداقية ما وصلنا، لأن هذه الاختلافات تجعل الأمر كله مجرد اجتهادات فقهية مبنية على أقوال الرواة المختلفة، وهذا ما يجعل الأمر غير متواتر بالدرجة الكافية لقبوله.

فيما يخص مدة الإقامة:

قال الحنفية: يجوز للمسافر أن يستمر في قصر الصلاة ما لم ينو الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً فإذا نوى الإقامة خمسة عشر يوماً فأكثر فيجب عليه الإتمام.

وعند الشافعية والمالكية والحنابلة: إذا نوى المسافر الإقامة أربعة أيام فأكثر يلزمه الإتمام على خلاف بينهم في احتساب يوم الدخول ويوم الخروج.

رغم أن هناك حديث يؤكد ان المدة هي 19 يوم، كان فيها قصر الصلاة عند فتح مكة :

. باب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح 4046 حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان وحدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس رضي الله عنه قال ثم أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشرا نقصر لصلاة 4047 حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا عاصم عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما قال ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين 4048 حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن عاصم عن عكرمة عن بن عباس قال ثم أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر لصلاة وقال بن عباس ونحن نقصر ا بيننا وبين تسع عشرة فإذا زدنا أتممنا.

صحيح البخاري ج 4 ص 1564.

وقد فسروا الاختلاف على أن المدة تزيد إذا كان المسافر لا يدري مدة إقامته.

وهنا يحق لنا أيضا أن نتساءل، لو كان هذا من السُنَّة النبوية، فلماذا هذا الاختلاف الكبير (أربعة أيام إلى خمسة عشر أيام أو 19 ؟؟؟ )

ولماذا لم يسأل الصحابة رسول الله ﷺ عن المدة، ولماذا ليس هناك حديث يبين كل هاته الأمور ؟؟؟

وكما تلاحظون، فالاختلافات أكثر من التوافقات، وهذا يجعل المسلمين المتدبرين في حيرة.

ثم الذي لا يعرفه ربما أكثر المسلمين، أن عائشة رضي الله عنها وعثمان كذلك، كانا يُتِمَّان الصلاة كاملة بدون تقصير.

وهذا يجعلنا نزداد يقينا أن مسألة القصر من الصلاة، يعتريها كثير من الضبابية بل وتخلو من مقصد شرعي مقنع على غرار صلاة الخوف التي شرعا الله سبحانه وتعالى.

لقد قمنا بهذا البحث وأتينا بهذه الروايات بشكل أساسي لكي يفهم العامة من المسلمين، أصل القضية، ولكي يستيقنوا أن بعض الأمور الدينية التي نعرضها للنقد هي ليست مسلمات كما يتوهم البعض، وفي قضيتنا هذه، هناك خلل واضح، يؤكد ضعف فكرة وجود القصر في صلاة السفر.

مسألة القصر في الصلاة في حالة السفر لا تملك حجة مقبولة يمكن أن نبني عليها ركنا من أهم أركان الإسلام ألا وهو الصلاة، فالأحرى والأجدر أن نكون أكثر حذرا في التعامل مع الفرائض التي فرضها الله علينا وأن نعلم عن يقين ما رخصه لنا.

بعد الفاصل، سوف نحاول أن نجد تبريرا ملائما لما هو خاص بصلاة القصر، أو ما أسميه تجاوزات بحق الصلاة، أي الإجابة على السؤال التالي :

كيف تواترنا رخصة القصر في الصلاة، وكيف طبقها المسلمون طول هذه المدة إذا كانت غير مشروعة؟

السؤال الأخير التي يمكن أن يتبادر للذهن هو:

كيف تواترنا رخصة القصر في الصلاة، وكيف طبقها المسلمون طول هذه المدة إذا كانت غير مشروعة؟

طبعا وفي كل قضايانا المطروحة، لا نقوم بالدراسة إلا حينما يكون لنا تصور مبدئي للقضية ثم نحاول بعد ذلك الإحاطة بها من جميع الجوانب.

والأهم في قضيتنا الحالية، هو أن نجد تفسيرا لما تناقله الموروث والذي قيل فيه أن النبي ﷺ قصر من صلواته، ولو أننا غير ملزمين، مادامت أن هناك فقط رواية واحدة تكلمت عن ذلك أثناء فتح مكة، وهذه الرواية أو غيرها إن وجدت، هي ظنية، ولا يمكن أن تُعتمد في العبادات وخصوصا الصلاة.

استنتاجنا بُنيَ على أمر لم ينتبه له لا السلف ولا الخلف (بحسب اطلاعي)، في تعاملهم مع قضايا الموروث، وهو خاص بتطبيق منهج الاستقراء التاريخي، وبدونه لا يمكن أن تكتمل حلقات النقد.

وإهمال ذلك المنهج هو إهمال لأداة من أدوات استجلاء الحقيقة الغائبة.

وللتذكير، ولمن لا يعرف هذا المنهج، فهو يقتضي دراسة الجزئيات للوصول إلى الكليات.

الجزئية الغائبة في قضيتنا الحالية هي خاصة بأسفار النبي ﷺ، فما دمنا نتكلم عن القصر في صلاة السفر، والذي ذكرنا فيها الروايات والأقوال، والاجتهادات والاختلافات، أليس من الأولى أن نسأل وأن نتقصى عن أسفار النبي وما يتعلق به، والأهم هو عددها ؟؟؟

كما لا يعلم الكثيرون، فأسفار النبي (ص) في مجملها قليلة، فكان أول سفره للهجرة، ثم سفره للجهاد، وسفره للحج والعمرة.

وكما نعلم أنه في عهد الرسول (ص)، ومنذ الهجرة، كان المجتمع الإسلامي في حالة حرب مع الأعداء خصوصا مشركي مكة، والناس في ذلك الوقت كانوا غير آمنين على أنفسهم ما دام الأعداء يتربصون بهم في كل وقت وحين، فكانت الطريق غير مأمونة والخطر وارد.

فمن الممكن جدا بل في الغالب، أن قصر الرسول ﷺ من صلاته كانت على هذا الأساس، وبالتالي فرخصة القصر في الصلاة قد استعملت في عهد النبي ﷺ في حالة واحدة هي عدم توفر الأمن.

وأعتقد أن الرعيل الأول وقبل تدوين الأحاديث، كان على نفس النهج، فلم يكن يقصر من الصلاة إلا في حالة السفر مع الحرب أو تحقق شرط الخوف، وهذا ما ذكرناه آنفـا، وما روي عن عائشة رضي الله عنها وعثمان بن عفان في أنهما كانا يتمان الصلاة في سفرياتهما.

وبعد زمن، ولما بدأ الإسلام في الانتشار في مختلف الأمصار، تناقل الناس مسألة القصر من الصلاة في السفر، ولو بدون توفر شرط الخوف!! اعتمادا على ما سمعوا من بعضهم البعض، وذلك لضعف تواتر هذه المسألة، بسبب قلة وقوعها بعده (ص) وطبقوا القاعدة في السفر من غير أن يتحروا هل كان سفرا عاديا أم سفرا لجهاد.

هذا مجرد تفسير وتصور للمسألة، لمن أراد أن يستوعب سر انتشار بعض المفاهيم المغلوطة التي نتوارثها بدون تحقق وما أكثرها، وقبول هذا التفسير أو رفضه لا يمنع من أن مسألة القصر من الصلاة عند السفر، لا تقوم على حجج قوية، وتشوبها كثير من الضبابية.

قبل أن نلخص ما قلنا بخصوص رخصة القصر من الصلاة، نقدم بين قوسين، دليلا على بطلان موروث آخر بخصوص صلاة الراكب والتي يعتمدها كثير من الناس دون وجود تحقق شرطها، وهو ما تكلمت عنه الآيتين المذكورتين سابقا:

الآية الكريمة :

((حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ

- 238 - سورة البقرة.

فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ

- 239 - سورة البقرة.

تؤكد أن الخوف كان دائما شرط التغيير من شكل الصلاة المفروضة.

والخوف وحده هو الذي يشكل استثناء في عدم القيام يالصلاة كما أمرنا بها وعلمنا إياها.

وهنا يمكن أن نستنبط بين قوسين، دليلا آخر على بطلان موروث آخر بخصوص طريقة الصلاة والتي يعتمده كثير من الناس، وهو صلاة الراكب، ونقول بعدم جواز الصلاة فوق أي وسيلة للركوب إلا بوجود عامل الخوف.

وهذا السلوك منتشر بين الناس فهناك من يصلي في الحافلة والسيارة والقطار والطائرة بمجرد دخول وقت الصلاة، ظانا أنه يقيم الصلاة في وقتها.

فصلاة الراكب هي رخصة للخائف الغير المطمئن، والذي يمنعه خوفه من النزول من مركبته أو من دابته، وطبعا هي جائزة لمن يصلي النافلة.

وفي الأخير واعتبارا لما ذكرنا وفصلنا من دلائل وبراهين، نؤكد وبكل ثقة أن الخوف وحده هو ما يتيح رخصة تغيير صلاتنا سواء في الكم أو الكيف، قصرا كان أم جمعا.

في النهاية وإذا أردنا أن نتكلم في إطار فقه المقاصد، أقول :

إن أي حكم أتى به الله وشرعه لنا يكون لسبب أو من أجل هدف معين.

وفي قضيتنا هذه :

لما رخص الله الإفطار في رمضان للمسافر كان ذلك لسبب واضح ألا وهو الإرهاق من تعب السفر والذي يمكن أن يؤذي الصائم في حالة ما اشتد عليه. فيصبح الصوم فيه خطيراً على صحة الإنسان وخصوصاً في بيئة صحراوية كالتي كانت تعيش فيه الأمة الإسلامية في بداية الرسالة.

وبما أن الله يريد بنا اليسر لا العسر، فالمشقة في السفر إذاً هي التي تجيز الإفطار في رمضان وليس شيئاً آخر.

فمنطقيا لا يجوز القصر من الصلاة في السفر مالم يتوفر شرط يجعل إتمام الصلاة فيه خطر على المسافر.

وكما قال عزوجل بخصوص الصيام :

(( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

- 184 - سورة البقرة.

فهو يقول لنا أن من استطاع منكم تحمُل الصوم من دون أن يشكل ذلك خطراً عليكم فليصُم فهو خير له، لأن الصوم فيه فوائد شتى.

وقياساً على ما قلت في مسألة الصيام، فحتى الذي لا يقتنع بكل ما قلناه سابقا، من الأفضل له أن يقيم صلاته كاملة وكما أمرنا بها الله، حتى لو كانت نسبة صحة رخصة القصر في السفر قائمة، فخير لنا أن نقيم الصلاة كاملة إذا لم يكن هناك مانع شرعي، ونكون بذلك قد ضمننا صحة صلاتنا وتمامها.

وحتى ما ذهب إليه جمع من العلماء، فاعتبروا القصر من الصلاة، سنة وليست واجبا.

وفي الأخير واعتبارا لما ذكرنا وفصلنا من دلائل وبراهين، نؤكد وبكل ثقة أن الخوف وحده هو ما يتيح رخصة تغيير صلاتنا سواء في الكم أو الكيف.

وبناءً على ما بيَّنتُ سلفاً، تكون نتيجة البحث التالية:

- ليست هناك صلاة خاصة بالسفر وحده، بل هناك صلاة خاصة بالخوف وعدم الأمن، والقصر يكون في صلاة الخوف لا في صلاة السفر...

- الخوف وحده من يغير شكل الصلاة وطريقتها وعدد ركعاتها، إما بالنقص من عدد الركعات، أو ركوبا عوض القيام بها قائمين.

- ليس هناك نص صريح، ولا أدلة قوية ولا إجماع على متى يكون القصر من الصلاة للمقيم في بلد آخر، والاختلاف في ذلك أدعى لتحري الصلاة كاملة بدون قصر لعدد الركعات.

- الاحتياط في الدين، هو أمر واجب، وفي هذه القضية، إتمام الصلاة في أسفارنا ما دام الأمان متوفر.

ما أقول ليس فتوى بل مجرد توضيح مفهوم القصر من الصلاة، وهو رأي مطعم بدلائل وبراهين وهو بيان لمن يريد الإدراك والفهم بعيدا عن ثقافة الرواية.

والله أعلم.