حقيقة العين والحسد في الإسلام - قضايا في العقيدة | Kitane.net
توقيت المغرب :
السبت 30 شوال 1447 هجرية الموافق ل18 أبريل 2026

أنت الزائر رقم

حقيقة العين والحسد في الإسلام
منشور في : 2022-07-20
تعتبر المفاهيم الدينية الموروثة خليطا من تلك المبنية على دلائل وبراهين ثابتة مستنبطة بشكل ممنهج وعقلاني، وهذا ما نعتز به ويشكل اللبنة الأساسية لأولي الألباب، وأخرى مبنية على اعتقادات شائعة مستمدة من ثقافة الرواية وليس لها علاقة بالدين بل بفهم خاص ومشوه أحيانا للدين، وهذا ما يهيمن على أولئك الذين يلغون عقولهم ويفكرون بعقول غيرهم.
ودائما في إطار فقه المراجعة، سوف نتطرق في هذا المقال لقضية تعتبر من صميم النوع الثاني من الموروث وهي قضية العين والحسد، وقد قررنا دمجهما في نفس الحلقة، لأنه قريبان من بعضهما من حيث الفهم السائد.
وسوف نتكلم إن شاء الله في مقال آخر منفرد عن معتقد آخر يدخل في نفس الإطار وهو عن السحر والجن.
وهذه كلها قضايا تم توارثها بسطحية كبيرة واستيعابها بشكل منحرف، كون أغلب الناس فهموها بشكل خاطئ وبنوا عليها اعتقادا واهما صار لديهم من المسلمات، رغم أنها أو بعضها تعتبر في أفضل الأحوال من المسائل الغيبية التي يختص بها الله سبحانه وتعالى.
وبالمناسبة، فهذه الاعتقادات لا تخص فقط المسلمين أو المتدينين بل يؤمن بها حتى غيرهم من اللادينيين أو الملحدين باختلاف مستوياتهم العلمية والمعرفية، ولكن بحكم سلطة الدين، فالمتدينون أو أكثرهم أكثر تشبتا بها لكونهم يربطونها بنصوص ظنية يقدسونها أو بالرجوع إلى تفسيرات واهمة ومغلوطة للسلف، دون تحكيم للعقل أو الهدي الرباني.
وما سنأتي به في هذه الحلقة، هو البرهان الواضح على وهم هذه الأقوال والتفسيرات، والتي سنحاول إثباته جاهدين لإظهار الحقيقة وإزهاق الباطل بالاعتماد على الفهم السليم للتنزيل الحكيم وباستخدام العقل والمنطق الرشيدين.
العين وتأثيرها :
هدفنا في الفصل الأول هو إثبات بطلان المفهوم الشائع لدى عامة الناس عن سلطة العين وتأثيرها على الناس.
قبل ذلك يجب أن نعترف مسبقا أن المسلم العامي يبقى تحت سيطرة وهيمنة الفهم الديني الموروث كيفما كان مصدره والذي لا يستطيع الانفكاك منه، لأنه ليس لديه القدرة التفرقة بين المنقول من صميم الدين وبين المنقول من فهم الدين، وبأننا نحتاج إلى وقت طويل لمحو تلك المعتقدات الموروثة، وأن ما ترسخ لسنين وعقود يحتاج إلى أجيال وقرون لكي يزول.
إلا أننا بالموازاة مع ذلك نؤمن بإمكانية التصحيح والتقويم، معتمدين على مبدأ أساسي بأن ليس كل ما انتشر لسنين ليس بالضرورة حقيقة مؤكدة.
لقد التصقت قضية العين بالمخيلة الشعبية لقرون وأصبحت معتقدا راسخا من الصعب إزالته أو البرهنة على بطلانه بجرة قلم خصوصا وأنه مدعم بغطاء ديني وتم التصديق بها لمراحل زمنية طويلة.
ولذلك ننصح المتلقي كيفما كان اعتقاده، بالإقبال ما أمكن على هذه الدراسة بعقل وقلب خاليين من كل تأثير مسبق، وإلا فلن يكون هناك أي بوادر للاقتناع مادام الحياد منعدما.
مرتكزات الفهم السائد:
قبل طرح قضية العين ووضعها تحت المجهر الشرعي، وجب توضيح مفهوم العين السائد.
الاعتقاد الشائع لدى الناس، هو أنهم كانوا يعتقدون، أن للعين تأثيرا ميتافيزيقيا على ما تشاهده!! إما إنسانا أو حيوانا، أو حتى جمادا!!!
عندما نتكلم عن التأثيرات الميتافيزيقية أي التأثيرات غير المادية وغير الطبيعية، أي عن بعد بمجرد رؤية شخص لآخر مباشرة مع انطلاق أول "شعاع" من عين الحاسد إلى المحسود، فيصيب هذا الأخير بضرر أو يتسبب له بأذى.
وهذا طبعا من الخبل، وخرافة لا يصدقها إلا السذج، ولا يستغلها إلا الدجالون.
وسنبين فيما يلي ضعف أسس هذا المفهوم وأنه لا يقوم إلا على وهم كبير.
وسنبدأ بالأسس الدينية المزعومة:
انتشار تأثير العين بين الناس (والمسلمين بالخصوص) هو مبني على موروث ديني محصور في بضع أحاديث نبوية (أربعة أو خمسة) متنها ضعيف لعدة أسباب أهمها أنها لا تستند إلى مرجعية قرآنية تجعلها مهضومة ومقبولة.
وأذكر هنا حديث:

" أكثر من يموت من أمتي - بعد قضاء الله وقدره - بالعين "

كيف يكون موت إنسان بالعين ؟ !! و ما معنى "بعد" قضاء الله وقدره ؟ !! هل هناك ماهو قبل قضاء الله وما هو بعد قضاء الله وقدره ؟ وهل قضاء الله له وقت افتراضي ينتهي ثم تأتي العين وتأخذ المشعل؟ ما هذا الكلام ؟ !!
ثم حديث :

استعيذوا بالله، فإن العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا "

تقرأ هذه الروايات وتشعر بأنها ليس كلام النبي (ص)، فحاش للنبي أن يتكلم كلاما غير متجانس ولا متناغم !! ما علاقة العين بالاغتسال؟ ثم أليست العين في الحديث الأول تأتي بعد القضاء والقدر، فكيف أصبحت تسبقهما في الحديث الثاني ؟؟؟ ثم حديث :

"العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر "

كلام مسجوع فقط، غير ذلك، فهي رواية لا تحترم لا منطقا ولا عقلا.
تكفي هذه الأمثلة لكي نظهر مدى ضعف متن هذه الأحاديث، وهنا لن نكرر كلامنا حول حجية الأحاديث ومتى يكون قبولها أو رفضها، ففي موقعنا يوجد بحث شامل وافي حول الموضوع وهو يعتبر مركزية ومتطلبا أساسيا لمراجعة الموروث الديني وعلى رأسه الأحاديث النبوية.
ولكن وجب أن نذكر أن المفهوم الموروث حول العين تأسس بشكل كبير حول الثقافة الشعبية السائدة.
أضف إلى ذلك اقتران العين بالحسد وسوء فهم هذا الأخير لدى معظم الناس، فاختلطت المفاهيم وصار مفهوم العين مفهوما مقدسا أصبح من الصعب نزع القدسية عنه كما قلنا في أول كلامنا، وحتى ولو أتيت بالدليل العلمي القاطع على تناقضه مع المنطق القرآني الذي يرفض أي إدراك للأشياء يكون مبنيا على الخرافة أو الأساطير.
ولكيلا نترك ثغرة لأتباع الفكر الموروث، فنحن لا ندع أي استدلال أو قرينة يمكن أن يستعملوها لإثبات أحقية العين، فهناك آية قرآنية، يُستدل بها لذلك، وهي قوله تعالى:
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ يقول التفسير الموروث إن "يزلقونك" تعني "يصيبونك بالعين"، يعني لولا أن الله عصمه من العين، لكانوا يؤذونه بها وربما مات بتأثير العين!!!!
ياااسلام... الله عصمه من العين ولم يعصمه من السحر، أترون الانتقائية؟؟؟ أترون الاعتقاد قبل الاستدلال؟؟ قبل أن نعقب على هذا التفسير، وجب أن نأتي بما ذكره المفسرون لكي يعلم المتلقي كَمَّ الاعتقادات الشعبية الباطلة التي يقحمونها في الدين، ويؤثرون بها على السذج الذين لهم قابلية مسبقة للاعتقاد.
للاختصار، سنأخذ مقتطفا من تفسير ابن كثير للآية:
وقيل: كانت العين في بني أسد, حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية, خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة, فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة, ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة.
وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا - يعني في نفسه وماله - تجوع ثلاثة أيام, ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر منه ولا أحسن; فيصيبه بعينه فيهلك هو ومال.
فالعرب طبقا للتفسير، كانت تقتل بالعين !!!
على افتراض ذلك، فالإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض، فكيف أن الكفار يريدون ان يصيبوه بالعين، ويقولون إنه لمجنون؟؟؟؟ هل الاتهام بالجنون استحسان وإعجاب؟؟؟ "ليزلقونك بأبصارهم"، بكل بساطة هي من سياق الآية، تدل على نظرة حقد وكراهية ليس إلا وهو تعبير مجازي لا مادي.
انظروا آية أخرى فيها تعبير مجازي مشابه، ولكن هذه المرة باللسان عوض العين:
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا۟ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا هل هناك أيضا إصابة باللسان كما هي بالعين؟؟؟ العين هي من الخرافات التي كانت سائدة في المجتمعات قديما، والدين جاء ليبطل كل ما هو مرتبط بالوهم والخرافة، ولكن الجاهلون من الناس بفقهائهم وعوامهم أبوا إلا أن يبقوا هذه الاعتقادات الوهمية بل وليجعلوا لها أساسا من الدين باختلاق روايات أثبتنا سابقا أنها فاسدة بل وركيكة، وأن القرآن النص القطعي الإلهي لا يؤكد هذه الأوهام.
والأخطر من ذلك، هو أن الإيمان بالعين هو إيمان بقوة غيبية تناقض الناموس الكوني الذي هو من سنن الله تعالى، بل فيها تحدي لإرادة الله عز وجل، فلينتبه كل من ينساق وراء هذه الأمور الوهمية وليتحرى المسلم من أين يستقي دينه ولا يستسلم أمام منطق الفكر السائد.
نتيجة لما قلناه وما بينناه سابقا، يسقط مفهوم العين المتوارث، الذي لا يرتكز إلا على ثقافة الرواية، فالدين يقوم على الأسباب العقلية والعلمية والمنطقية، ووحده الله سبحانه وتعالى القادر على إبطالها بقدرته وقوته، ومن يؤمن بالعين فهو يشرك غير الله في هذه القدرة.
التصور الموجود لقوة العين وتأثيرها على الناس أو الأشياء هو تصور خرافي لا أساس له.
الحسد والحاسد :
سوف نوضح في الجزء الثاني مفهوما قريبا من مفهوم العين من حيث تجلياته المفترضة، ولذلك أشركناه معه في نفس الدراسة، وهو الحسد.
وقد أتينا به في نفس الدراسة، لأن البعض أو أكثر المصدقين لتأثير العين، هم يستدلون بأن الحسد مذكور في القرآن، ظانين بأن تأثير الحسد هو نفسه تأثير العين !! وهذا طبعا باطل سوف نفصِل فيه لاحقا..
مبدئيا يجب التذكير بأن أول الفروق بين الحسد والعين، هو أن الحسد مصطلح قرآني، أي تم ذكره قرآنيا، وهذا يجعله حاضرا، ولا يمكن نفيه، عكس مصطلح «العين» الذي لا أساس قرآني له، وإنما ربطه بالدين راجع بالأساس إلى تلك الروايات المزعومة التي فندناها سابقا والتي تداولها المسلمون على مر العصور في عصر صناعة الرواية كما تداولوا غيرها.
يبقى الإشكال إذاً بالنسبة للحسد هو مرتبط بسوء فهم العامة له، وهذا ما سنعمل على توضيحه بإذن الله في هذا الجزء الثاني.
على العموم مسألة العين ومسألة الحسد بمفهومهما الشائع هما في الحقيقة قضية واحدة، وهي تتعلق حسب فهم العامة بتأثيرات ميتافيزيقية (وهي ما شرحناها من قبل) أي غير مادية للشخص الذين يعيِّن (بكسر الياء) على ذلك الذي يُعيَّن (بفتح الياء).
علميا، حتى لو افترضنا أن للحاسد ذلك التأثير الميتافيزيقي على المحسود، فكيف يمكن أن نثبت ذلك؟ فمن أين إذاً أتى للناس هذا اليقين بوقوع هذا التأثير الغير المحسوس؟ هذا اعتقاد باطل لأنه مبني على ظن.
والله تعالى يقول:
قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ثم يقول في آية أخرى:
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ظن ثم ظن ثم ظن....
نأتي الآن لنتعرض لمسألة الحسد، ونفهمه من القرآن نفسه، طبقا لقاعدة «القرآن يفسر بعضه بعضا».
عندما أمرنا الله بالتعوذ في سورة الفلق والناس، فقد حدد ما يجب التعوذ منه.
فإذا تدبرنا قوله تعالى في سورة الفلق:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ فقد أمر سبحانه بالتعوذ بالله من الشر وليس من الخلق.
فلم يقل سبحانه وتعالى: "قل أعوذ برب الفلق مما خلق" !! أو من بعض ما خلق.. أو شيء من هذا القبيل، ولكنه قال من "شر ما خلق"، أي أن هذه المخلوقات التي خلقها الله ليست شرا في حد ذاته بل ما يمكن أن تقوم به، ولذلك نحن نستعيذ من شرها، وشرها يكمن في الخطر الذي يمكن أن تشكله تلك المخلوقات بتعرضها للإنسان، وهو ما تفعله الوحوش البرية والمائية في حالة هجومها عليه وعادة ما يكون دفاعا عن النفس أو إذا كانت جائعة.
وطبعا هناك أيضا وحوش آدمية تدخل في هذا الصنف، ويجب الاستعاذة والحذر منها.
وما "خلق" يشمل أيضا الظواهر الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والأعاصير وغيرها، فمنها ما يؤذي بعض الناس ومنها ما لا يؤذي أحدا، فكذلك يجب الاستعاذة من ضرر وأذى هذه الظواهر، وليس منها، لأنها من صميم توازن الطبيعة، فلا يمكن أن تتوقف إلا بإذن الله.
كما أمرنا الله في باقي الآيات بالتعوذ مما يشكل خطرا علينا (من شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد) ثم أخيرا وهو ما يخص قضيتنا من شر حاسد إذا حسد.
وهنا نتوقف لكي نفهم شر الحاسد، وهل هو شر ميتافيزيقي أي ذي التأثير الغير المادي، أو هو شر مادي يجب أن يتحرك الحاسد ويؤذي المحسود بطريقة أو بأخرى.
جاء التعوذ من الحسد في آخر السورة، فقال تعالى "من شر حاسد إذا حسد"، وهي نفس الصيغة (من شر..)، التي أتت للتعوذ من شر ما خلق، فلو كان الحاسد يحسد بعينه وعن بعد، فلكان كل ما خلق الله من وحوش تفعل ذلك أيضا !!!
الحاسد لا يبدو شره إلا إذا حسد، أما ما يكمن في سره وباطنه من حسد لا يمكن أن يؤثر في المحسود إلا إذا ترجم إلى فعل، وهذا الفعل يتمثل في قيام الحاسد بأعمال مختلفة قد تؤثر في المحسود وتصيبه بأذى أو أن تزيل تلك النعمة عن المحسود، هذا الفعل محسوس ومادي وليس ميتافيزيقيا أو عن طريق الاستعانة بالعرافين أو الجن أو ما شابه ذلك، فليس لذلك أي أثر وهو مجرد وهم ودجل لا يستفيد منه إلا أولئك العرافون الذين يمارسون الابتزاز ويستغلون جهل الناس.
وهذا ما سنبطله كذلك في كلامنا القادم عن السحر وتأثير الجن، فكل هذه الاعتقادات مبنية على أساس واهي يتركز في ذلك التأثير الميتافيزيقي الغير الطبيعي على الآخر كما يجب أن نذكر أننا يجب ألا نستسهل شر الحاسد عندما يقوم بتفعيل حسده وتجسيده على أرض الواقع، فهنا نستحضر أول جريمة في التاريخ والذي ارتكبها قابيل في حق هابيل، ولم يكن السبب إلا حسدا وغيرة دفعته إلى قتل أخيه لما تقبل الله القربان من أحدهما ولم يتقبله من الآخر.
فلو لم يقم قابيل بقتل هابيل، لما أثر حسده على أخيه، ولظل في نفسه.
ولن نبالغ إذا قلنا أن عمل الشيطان كله ناتج عن حسد في الأصل، لأن التحدي الذي رفعه إبليس ضد الله عز وجل الغاية منه زوال نعمة الدخول إلى الجنة من الإنسان، وذلك بغوايته حتى يدخل معه النار، وهذه الغواية ليست إلا عبارة عن وسوسة لا أقل ولا أكثر، قال تعالى: " قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" .
فإذا كان الشيطان وما أدراك ما الشيطان، لا يملك سلطانا على ابن آدم، " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ" فما بالك بمن هم دونه أن يؤثروا على الإنسان بمجرد تمني زوال النعمة عنه؟!!
بقي أن نفتح قوسين، ونشير إلى أن غالبية السلف من العلماء قد ذكروا ما ذكرنا، ولا يختلفون معنا في تفسير الحسد وتأثيره، ولكنهم فيما يخص العين، فقد استسلموا لثقافة الرواية، ولم يستطيعوا تغليب كلام الله والسنة الإلهية، وارتضوا القبول بروايات ظنية معلولة متنا.
بخصوص الحسد، فما قلنا سوف نجده مثلا في تفسير القرطبي، حيث قال :
قال العلماء : الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول ، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود ، فيتبع مساوئه ، ويطلب عثراته . قال - صلى الله عليه وسلم : " إذا حسدت فلا تبغ . . . " الحديث. انتهى كلام القرطبي. وهذا ما نؤكد عليه دوما، فمن أخطاء السلف أنهم لم ينقحوا الموروث، وتركوا الصالح والطالح، والعامة والأتباع لا تستطيع رد الطالح، لأنهم يضعون البيض في سلة واحدة.
وعدم تركيز الفقهاء والشيوخ على صالح الكلام، تراهم يركزون على ما يشد انتباه المتلقين، وما هم مستعدون لقبوله، وهذا السلوك يعتبر من آفات التمشيخ للأسف.
فالموروث كما نكرر دائما حمل تناقضات في أفكار علماء السلف أنفسهم كما يوجد في أفكار بعضهم البعض، فاختلط الحابل بالنابل، ولم يبق بذهن أغلب الناس إلا ما يشيعه بعض الجهلاء من المتاجرين بالدين، والذين يظهرون للناس وكأنهم علماء، وهم فقط حافظون لكتب دينية تجارية، وبالتالي يؤثرون على الناس بالمظاهر الخداعة والورع المزيف، وبالتالي لا يبقى إلا ما التصق بمخيلتهم من الثقافة الشعبية الشفهية، والتي لا يفرقون بينها وبين الموروث النقي العلمي العقلاني.
فمن أين إذن أتى ذلك التصور الواهم بسلطة عين الحاسد بالشكل الذي يفهمه عامة الناس؟ من الذي يملك ولو دليلا واحدا على إثبات تأثير الحاسد على المحسود فقط بالتمني؟ شيء آخر، إذا كانت العين هي التي تحسُد، فهل الحسد متوقف على المبصرين فقط؟ هل يمكن للأعمى أن يحسد؟ طبعا يمكن للأعمى أن يحسد، ولا علاقة لعينه التي لا تبصر بهذا الحسد.
وإذا كان تأثير العين أو الحسد يقع بمجرد تمني زوال النعمة عن المحسود، فلماذا لا تزول هذه النعمة عن مشاهير العالم والكثير من الناس يحسدونهم؟ ولماذا لا نحسد مثلا إسرائيل أو كل دولة طاغية بزوال نعمة القوة، وزوال الطغيان والجبروت والشر التي تقوم به؟؟ ولما لا نفعل ذلك مع جميع قوى الشر في هذا العالم؟ الأدهى والأمر في هذا التصور الواهم، وهو ما يجب أن يضعه المسلم صوب عينيه، وأن ينتبه لخطر الاعتقاد بهذه الخرافات، هو أننا إذا أكدنا أمر العين وتأثير الحاسد الميتافيزيقي، فسيصبح الحاسد هو المتحكم وهو صاحب الأمر في مسألة زوال النعمة عن المحسود، وأن الله عز وجل، سوف يصبح متصرفا وفق رغبات الحاسدين الذين ما إن يطلقون أشعة الليزر من عيونهم تجاه المحسودين، حتى يقوم رب العالمين بتحقيق أمنياتهم ورغباتهم (تعالى الله عما يظنون ويعتقدون) !!!! هل هذا معقول ؟؟؟ الأسئلة لا تنتهي والاستفهامات لا تنقضي، ولا جواب طبعا لدى من يؤمن بتلك الأوهام والتصورات الخرافية، إلا التعنت وإغماض العين عن الحق.
لقد كان بالإمكان أن نكتفي بهذه القرائن والأدلة، ولكننا وكعادتنا نريد أن نحيط بالقضية من جميع الجوانب.
في الجزء الثالث سوف نتعرض بتحليل علمي للقضية، ونحاول أن نبطل الاعتقاد السائد باستعمال طريقة أخرى تسمى «البرهان بالخلف».
فقد كان لزاما على المسلم بالموازاة مع البحث عن الدليل الشرعي في قبول مفهوم ديني أو رفضه، أن يبحث كذلك عن القصد والغاية والهدف من وراء تكريس ذلك المفهوم أو دحضه.
في بعض القضايا التي يكون من الصعب فيها البرهنة المباشرة على بطلان مفهومها، يكون هناك اتجاه آخر في البحث وهو ما يستعمل عادة في مجال الرياضيات بما يعرف بالبرهان بالخلف.
البرهان بالخلف هي برهنة أساسها إثبات صحة المطلوب بإبطال نقيضه أو فساد المطلوب بإثبات نقيضه.
فإذا سلمنا افتراضا بأن العين حق كما جاء في رواية من الروايات، أو كما جاء في تفسيرات السلف لبعض الآيات، فما الغاية من وجود العين ؟؟؟ وما الغاية من أن يعين شخص آخر ؟؟ وما الهدف من أن يصيب شخص آخر لمجرد أنه عينه أو حسده.
هناك قولة مشهورة، ليست بحديث، مفادها : « كلكم معينون إلا من بورك » كما يحسبها الكثيرون، ولكنها مأخوذة من روايات تفيد المعنى المقول.
فمن المفروض أن يكون العكس هو المقبول منطقيا، فالذي يعين الآخر ولا يبارك أو يُبَرِّك أي لا يقول تبارك الله ما شاء الله، هو من يجب أن يتعرض لمكروه جزاء لتعيينه وحسده للآخر !!!!! أليس كذلك؟ أي مغزى من وجود مثل هذه التأثيرات بين الناس وكيف يمكن أن نثبت هذا التأثير وذاك الفعل؟ وكيف لنا أن نعرف الفاعل؟ وإذا كان مجهولا وهو الغالب في الأمر، فما الداعي إلى الإيمان بذلك؟ هذه كلها أسئلة بدون جواب، وإذا كان الجواب الوحيد لمن يعتقد بوجود ذلك، هو لكي نقرأ المعوذتين أو لكي نقوم بما يسمى «بالرُّقْية الشرعية»، أو ما شابه ذلك، وبالتالي ووفق هذا الفهم، فكل سكان الأرض غير المسلمين وما داموا لا يقرؤون المعوذتين ولا يرقون أنفسهم، فيجب أن يُصيبوا ويصابوا بالعين!!! وأن يكونوا كذلك حاسدين ومحسودين كلهم بدون استثناء طالما لا يتعوذون من الحسد ولا يباركون المحسود!!!! هل هذا ما يقع؟؟ الخطر في التسويق لمثل هذا المعتقد لن يستفيد منه سوى العرافون والكهنة والدجالون الذين يدعون أنهم يدفعون العين والحسد عن الناس بطرقهم المعروفة، مستغلين سذاجة الناس وجهلهم، وكل هذه الأعمال تُعتبر من الشرك، لأن الله وحده هو من يدفع ويمنع الضر والأذى عن الناس وإليه الملجأ ومنه الرجاء.
ويدخل في هذه الطائفة أيضا من يدعون علاج الناس بالرُّقْية الشرعية، فكل ذلك وهم ودجل، وما وصلنا عن رسول الله (ص) بخصوص الرقية لا يتعدى تعسفا في فهمها، فما روي عنه (ص) إن صح، كان دعاءً للمريض لا أقل ولا أكثر، وهذه خاصية بحتة للنبي ﷺ فقد أمره الله بالصلاة على المؤمنين أي الدعاء لهم، في قوله تعالى:
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ والدعاء مستحب بل مطلوب منا جميعا "قل ادعوني أستجب لكم" ولكن بعد أن نتداوى بالدواء.
وكذلك قراءة المعوذتين، أو القرآن بشكل عام لا بأس به فهي تبرك به لكي يتقوى إيماننا، وتتقوى بنيتنا النفسية لمواجهة المرض فقط لا غير، ويستحب أن يقرأه المريض بنفسه، إلا إذا كان لديه مانع من ذلك أو كان طفلا صغيرا لا يحفظ شيئا من القرآن، وهذا ما روي عن نبينا (ص) أنه فعل ذلك مع الحسن والحسين لأنهما كانا طفلين. ما عدا ذلك فهو الوهم بعينه (ومنه ما يُسمى الرُّقية الشرعية، وستأتي حلقة خاصة عنها إن شاء الله). فبعض الناس لديهم استعداد نفسي مسبق لتصديق ما هو غيبي خصوصا إذا كان له غطاء ديني مفتعل!!!
إضافة إلى استفادة الدجالين من هذا الاعتقاد الموهوم، هناك نتائج أخرى نذكر منها :
- اتباع عادات سيئة من قبيل حمل التمائم والأحجبة ظانين أنها تمنع العين والحسد !!! وهذا فيه شرك خفي.
فلا يمنع الضر ولا يكشفه إلا الله سبحانه وتعالى. - أيضا يترتب عن الإيمان بتلك الأوهام، العيش في قلق في ظل الخوف المرتقب من تأثير العين والحاسد، مما قد يسبب للبعض قلاقل ومشكلات نفسية خطيرة.
وهذا كله للأسف نراه في واقعنا، وليس مجرد ادعاء أو قول مرسل.
- كما أن الإيمان بالتأثيرات الميتافيزيقية لإنسان على آخر، من شأنه أن يبعد الناس عن الأخذ بالأسباب والإيمان بسلطة العلم، وسوف يجعلهم سلبيين يتركون العمل ويتشبثون بالخرافة.
هذا غيض من فيض، فلا نريد الإطالة.
قبل أن أختم كلامي عن هذه القضية، أريد أن أعرض الآية التالية التي توضح بإيجاز معنى الحسد بطريقة جميلة وواضحة وهي مستنبطة من آيات الله، وستغنينا عن الكثير من كلام الذين أطنبوا واستزادوا من دون تفكير ولا تمحيص.
يقول تعالى :
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ود : رغب وتمنى، أي أن كثيرا من أهل الكتاب فقط يرغبون في ذلك !!
أي هي حالة نفسية انتابتهم، والسبب حسد من أنفسهم، فهل هذه الحالة، ردت المسلمين عن إيمانهم ؟؟ لا طبعا، ولا يمكن أن يتم ذلك، إلا بعد أن يتحركوا لفعل ذلك، وإلا يبقى مجرد أمنية لا غير.
وهذا هو الفيصل في القول.
فالحاسد يأكله حسده كما تأكل النار بعضها، ولا يصبح شرا إلا إذا تحولت الأمنية والرغبة إلى فعل، وهذا ما يجب أن نتعوذ منه، لأننا لا نملك شيئا غيره.
- لا وجود في الدين لما يسمى بالعين، وهو مفهوم يتعارض مع القرآن ومع العلم ومع العقل والمنطق.
- وأما الحسد فهو إحساس نفسي للحاسد يشترك مع الغل والحقد في صفته، والفرق أنه يترجم إلى فعل وإساءة يضر المحسود، وهذا ما يجب أن يتعوذ منه المسلم كما جاء في سورة الفلق.
إن الإيمان بالعين أو الإيمان بالحسد بالمفهوم الشائع والمتداول، يصيب المنظومة الكونية بخلل كبير.
فهذه المنظومة خلقها الله بشكل لا مجال للتأثيرات ما وراء الطبيعية أن تتحكم فيه، فيصبح الإنسان لا يملك أي ضبط لها، وتصبح الفوضى والعشوائية هي المهيمنة.
وهذه التأثيرات يدخل فيها كل المفاهيم الشائعة المتوارثة من قبيل: العين والحسد والسحر ومس الجن، والتنجيم وتأثير الكواكب.... وغيرها، فيصبح الإنسان عندئذ في خوف وترقب دائمين، وتختلط لديه بالتالي كل المفاهيم، فلا يميز بين ما يجب فعله وما لا يجب.
وهذا ما يجعل الناس تعيش في عالم الأوهام، وبالتالي يصبح المجتمع ضعيفا سهل الخداع والتضليل، ويصير المشعوذون والدجالون بشتى ألوانهم، هم المتحكمون في عقول الناس فيأكلون أموالهم بالباطل وهم لا يعلمون.
إن الحسد والعين والسحر ومس الجن كما يفهمه العامة، تعتبر مفاهيم مرتبطة بثقافة شعبية موروثة استنبطت قوتها من الدين كسلطة فانتشرت بين الناس كمسلمات غير قابلة للإنكار، وتم تواترها بهذا الشكل العبثي.
إن الإيمان بقدرة غيبية يمكن أن تأتي من أحد غير الله عز وجل هو شرك غير مباشر، ولن يؤدي بالإنسان إلا متاعب نفسية ووسواس قهري وحياة قلقة مرهقة، وهذا ما يجعل بعض النفوس الضعيفة تقبل على الانتحار، أو على الأقل ينتهي بها الحال في مستشفيات الأمراض النفسية.
يقول تعالى:
لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوٓءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ والله المستعان على ما يصفون والحمد لله رب العالمين...
** الكاتب : وديع كيتان **
لمشاهدة حلقة اليوتيوب الخاصة بالموضوع :

[ 2 ] تعليقات :

2024-04-15 13:19:29 لبنى من Morocco Loubnaelbay81@gmail.com
أحسنت اخي كلام مقنع و منطقي اريد ان أشير الى نقطة مهمة و هي ان التصديق بكون شخص مارس على شخص آخر ما يسمى بالعين يدخل في في باب الظن بغير علم فمثلا عند إصابة شخص بمكروه يقول انني التقيت فلان فاصابني بالعين فهذا ظن و إن بعض الظن إثم كما انه اتهام خطير لا اساس له و لا دليل عليه ،كما ان لو كانت للعين و للعائن كما يدعون كل هذا الأثير لدرجة انها تدخل للقبر لماذا لم يذكر في القرآن الكريم عقاب من يقوم بهذا الفعل الشنيع?? أثناء مناقشات لأشخاص بخصوص هذا الموضوع اتفاجئ ان اغلبهم يقولون ان الله هو الذي منح لبعض الناس أعين شريرة تؤذي الناس حاشا الله عما يزعمون كلنا سواسية عند الله ونختلف بأفعالك و أعمالنا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره صدق الله العظيم و شكرا

2022-05-13 11:19:12 احمد علاء من Egypt medoo_alaa55@yahoo.com
أحسنت وأبدعت ... من أجمل ماقرات ... دائمًا في تألق ومن نجاح إلى نجاح
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
المرجو ملء خانة الإسم
المرجو ملء خانة البريد الالكتروني
المرجو كتابة نص التعليق






جميع الحقوق محفوظة © 2012 (Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com