الربا وما أدراك ما الربا - سياسة و اقتصاد | Kitane.net
توقيت المغرب :
الخميس 27 شوال 1447 هجرية الموافق ل16 أبريل 2026

أنت الزائر رقم

الربا وما أدراك ما الربا

منشور في : 2014-09-30
قضية الربا قضية أسالت الكثير من المداد سواء من طرف عقول السلف أو الخلف، واختلف فيها الجهابذة قبل عامة الناس.
والكلام عن الربا بموضوعية يقتضي عدم انتقاء النصوص أو الآراء التي توافق أهواءنا وأحكامنا المسبقة كما هو الحال بالنسبة لما يقع حول الفتاوى التي ينتقيها بعض الناس أو أغلبهم خلال بحثهم في قضية فقهية معينة.
فأي دراسة عقلانية منطقية نريدها أن تكون صائبة لا بد وأن تنبني على قواعد علمية متفق عليها وليس على آراء أو أفهام تتحول بقدرة قادر إلى مسلمات لا جدال فيها.
في عصرنا الحالي ، كثيرا أو في الغالب ما يتم وصف الأبناك أو المؤسسات المالية بأنها ربوية في معاملاتها.
وهذا الوصف راجع طبعا لمفاهيم موروثة ومتلقاة بطريقة سطحية من طرف عامة الناس خيل لهم أنها كذلك.
وفي هذا الكلام كثير من المغالطات الناتجة عن جهل بالمعاملات المالية من جهة، وبمفهوم الربا من جهة أخرى، والذي ما زال لحد الآن فيه الكثير الضبابية تم تأسيسه على أفهام موروثة مرتبطة أساسا بالتاريخ وليست مبنية على منهج علمي متين.
قبل كل شيء، يجب أن نؤكد على أولية أساسية، وذلك قبل أن يكون القارئ حكما متسرعا ويرفض مسبقا المفهوم الذي سنحاول أن نؤسسه، كما يقع كثيرا بسبب المقاومة التلقائية التي تتكون ضد كل جديد وضد كل محاولة للتغيير، هذه الأولية هي أننا لا نجادل في حرمة الربا في الإسلام، فلا يمكن لأحد أن يشكك في ذلك،

فالمشكلة إذاً ليست في حرمة الربا بقدر ما هي في تصنيف معاملة مالية هل هي ربا أم لا.

فقهاؤنا الأفاضل على مر العصور انطلقوا من مفاهيم قديمة لتعاملات أقدم، وحصروا الربا داخل مفهوم واحد (وإن عددوا أنواعه) وأوصدوا الباب بإحكام.
نحن الآن أمام معاملات مالية متعددة بعضها لا علاقة له بالربا والبعض الآخر يمكن يختلط فيه ما هو ربوي وما هو غير ربوي.
ما يجب أن ينكب عليه العلماء والباحثون والمتخصصون هو تحديد ما هو ربوي وما هو غير ذلك، وهذا ما سننكب عليه ونجتهد فيه هنا بحول الله.
ورغم ذلك سيكون ما وصلنا إليه مجرد رأي يقوم بالأساس على مبدأ اتقاء الشبهات ليس إلا.
والمصيبة أننا نفتقر إلى فقهاء مزدوجي الاختصاص، أي ذوي التخصص العلمي ثم التخصص الفقهي.
وكان هذا هو الدافع الأساسي لانطلاقي في الأبحاث والدراسات الإسلامية التي أحاول أن أقدمها بطابع مجدد وعقلاني متوافق مع تخصصي العلمي.
بالإضافة إلى أنه لا يتأتى أي بحث أو دراسة إلا من خلال تبني منهجية علمية متفق عليها، وعندما يكون البحث في قضية دينية لابد وأن نعتمد القرآن كمركزية مرجعية بالأساس ومهيمنة على كل موروث، وهذا في حد ذاته موضوع مستقل بنفسه.
سنحاول في هذه الدراسة المتواضعة أن نؤسس لمفهوم جديد أو متجدد للربا من خلال تحقيق مقاربة علمية وعقلانية لما أتى به القرآن الكريم مع ما ورد في التراث ثم بالتالي استنباط مفاهيم أكثر واقعية وأكثر مطابقة لمقاصد شريعتنا السمحاء.
مبدئيا نطرح التساؤلات التالية، وطبعا سنقدم أجوبة عنها من خلال تصور شخصي مبني بالدرجة الأولى على القرآن كمصدر رئيسي، كونه تطرق للربا بشكل يسمح لاستنباط معلومات نسبيا كافية لتأسيس مفاهيم مستقلة بذاتها، وهنا طبعا سوف نضع في اعتبارنا مسألة أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وهي قاعدة آمن بها السلف ولم يستخدموها إلا نادرا، و كأداة للتفسير لم تهيمن على باقي الأدوات الأخرى.
(وأما بالنسبة للحديث النبوي، ودون مناقشة صحته كمرجعية في موضوع كهذا، فيمكن الاستئناس بما جيء فيه، رغم قلة الروايات في الموضوع، ومقاربة ما صح منها مع ما جاء في القرآن الكريم).

السؤال الأول :

ما الفرق بين القرض و الدين ؟

السؤال الثاني :

هل الربا متعلق بالقرض أو بالدين أم بهما معا ؟

السؤال الثالث :

ما علاقة الربا بالصدقة ؟

السؤال الرابع :

ما علاقة الربا برأس المال ؟ لنتطرق أولا إلى مصطلح الربا كما ورد في القرآن الكريم.
فإذا كان الربا مصطلحا قرآني بالدرجة الأولى، فلا يليق بل لا تستقيم أي معرفة تتجاهل السياق القرآني الذي يبقى مهيمنا على أي معرفة من مصدر آخر.
وإيمانا منا بأن ما من مصدر معرفي ديني يعلو على القرآن، فأي معرفة لمصطلح قرآني بعيدا عما جاء في كتاب الله حوله، هو تجاهل لا يقبل به مؤمن صادق.
قبل ذلك، لنستعرض ما جاء في الفقه حول الربا.
الربا في التعريف الفقهي :
لغة : الزيادة.. قال تعالى :

أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ

(92) سورة النحل اصطلاحا : زيادة مخصوصة لأحد المتعاقدين خالية عما يقابلها من عوض.
وستجد اختلافا في التعريفات بحسب المذهب الفقهي.
وسنجد كذلك مصطلحات مرتبطة بأنواع الربا : ربا الفضل، ربا النسيئة، ربا الديون ، ربا البيوع...
هنا ودون الدخول في متاهات فقهية لن تشفي غليل الباحث الجاد، يجب أن نؤكد على شيء مهم وهو أن :

معظم إن لم نقل كل ما ورد في الفقه الموروث حول الربا أو المعاملات المالية بشكل عام لا يلزمنا في شيء لأنه تصور واجتهاد فقهي لقوم في زمنهم.

وعلى هذا الأساس، يجب ألا تخضع مفاهيمنا إلى تصورات واجتهادات إنسانية، وهذا ما يقع غالبا ويسبب خلطا لدى الناس في أمور دينهم.
ما يهمنا أن نشير إليه ونجعله في اعتبارنا هو الثابت بالنص.
في التالي سنحاول استنباط مفهوم أو مفاهيم مستنبطة قرآنيا وخالية من تأثير الفقه الموروث التي اختلطت فيه المفاهيم التاريخية بالاجتهادات المذهبية المتعددة.
دعونا نستعرض آيات الربا :
1.

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

(275) البقرة.
هذه الآية تفرق بشكل قاطع بين الربا وكل شكل من أشكال البيوع، وفي كلا الاتجاهين.
وهذه إشارة واضحة إلى أن الربا ليس معاملة تجارية فيها بيع وشراء، والعكس صحيح، فكل بيع هو ليس بربا.. وهذا أول استنباط سوف يفيدنا في معرفة حقيقة الربا.
2.

يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ

(276) البقرة.
هذه الآية تؤسس لعلاقة وثيقة بين الربا والصدقات، وهنا لم يكن اعتباطا ذكر "الصدقات" في نفس الجملة القرآنية التي تتكلم عن الربا !! وسيأتي فيما بعد تصورنا لهذه العلاقة وطبيعتها.
فهنا تقابل بين الربا الذي محقه الله، والصدقة التي ينميها سبحانه وتعالى.
وهذا ما يمكن استنباطه من هذه الآية.
وبهذه المناسبة، لا بأس من أن نقدم تعريفا للصدقة وهي :
عطاء غير مردود بقصد التعاون وفعل الخير.
نفس المعنى تطرقت له الآية التالية ونرى الزكاة في مقابل الربا، فهناك تحفيز من لدن سبحانه على إتيان الزكاة والابتعاد عن إتيان الربا ، و ما يجب على المتأمل أن يستجلي هو سر هذه المقابلة بين الربا والصدقة في الآية السابقة وبين الربا والزكاة في الآية التالية :
3.

وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ

(39) الروم .
نفس الشيء، فالزكاة جاءت في مقابل الربا (شيء طبيعي، فالزكاة في حد ذاتها تعتبر من الصدقات).
4.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ

(278) البقرة.
طبقا للتفسير الموروث، فالآية نزلت في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا، كانوا أربوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضه منهم، وبقي بعض، فعفا الله جل ثناؤه لهم عما كانوا قد قبضوه قبل نزول هذه الآية، وحرَّم عليهم أخذ ما بقي منه، وتوعد من يفعل ذلك بحرب من الله ورسوله.
وهنا مادامت المسألة تاريخية، لا يمكن أن نستقي أي معنى آخر ممكن، ويصبح سبب النزول متعلقا بزمن معين وبحالة معينة.
في هذه الآية لا يمكن أن نستنبط أي مفهوم يمكن أن يساهم في استجلاء حقيقة الربا.
5.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

(130) آل عمران.
سيأتي لاحقا سر تأكيد الآية على الأضعاف المضاعفة في الربا.
وطبعا مادمنا نؤكد دائما أنه ليس هناك حشو في القرآن، وأن كل كلمة أو تعبير له دوره في الآية أو الجملة القرآنية، ف"الأضعاف المضاعفة" هو جزء مكمل لمفهوم الجملة برمتها، ولا يجب تجاهله بأي حال من الأحوال.

وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

سورة النساء.
هنا تغيرت الصيغة وأصبح هناك أخذ للربا عوض أكل الربا.
وهنا لن نتوسع في تفسير تبديل الصيغة، وسنكتفي بقبول نفس المعنى الموجود.
هذا كل ما جاء في القرآن الكريم بخصوص الربا، أما ما جاء في الأحاديث أو الروايات سواء في البخاري أو مسلم، سنجد أنها لا تخرج عن التأكيد على تحريم الربا دون التدقيق في مفهومه أو أشكاله، باستثناء القليل إن لم أقل واحدا يتكلم عن شكل من أشكال البيوع والذي اعتبره الفقه نوعا من الربا وهو :

" لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم"

أخرجه البخاري.
لاحظ هنا لا وجود لذكر الربا، ولا أدري ما علاقة هذا الحديث بالربا.
وأعتقد أن هذا التساؤل هو ما دفع لتغير الصيغة عند مسلم في الحديث التالي :

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الأخذ والمعطي فيه سواء"

أخرجه مسلم.
وطبعا سوف يجد الباحث روايات أخرى لا تخرج عن نفس المعنى ولكن بصيغ مختلفة، تجعل المتأمل يتيه ويجهل الصيغة الأصلية !!!
يتكلم الحديث عن نوع من أنواع البيوع وهو المقايضة، والمقايضة كما هو معلوم نظام صرف يتم عبره تبادل البضائع أو الخدمات مباشرة بسلع أو خدمات أخرى دون استخدام وسيلة تبادل مثل المال.
أحب ان أشير مبدئيا إلى أن الحديث في حد ذاته لا يستوي متنه، فلا أدري ما جدوى المقايضة أو المصارفة باستعمال نفس الصنف من السلعة !!
أما إذا افترضنا صحة الحديث وكل الروايات الأخرى التي تتكلم عن أشكال البيوع، فالاعتماد عليها فقط واعتبارها مفسرة لأنواع الربا الذي تكلم عنه القرآن الكريم، هو تعسف غير مقبول وتكلف في بناء مفهوم الربا، والتساؤلات التالية توضح سبب حكمي هذا:
- هل ما ذكر في الجديثين السابقين أو في الروايات الشبيهة بهما والتي هي في الأصل حديث واحد بصيغتين مختلفتين، هما كل ما قاله النبي (ص) حول الربا وأشكاله ؟؟؟
- هل إذا أخذنا الحديثين بعين الاعتبار، اكتفينا بهما واعتبرنا ما فيهما هو الشكل الوحيد للربا ؟؟
إذا كان الجواب نعم، فهذا منطق مرفوض، فلا يمكن أن يكون هو ذلك الربا الذي توعد الله آكليه بحرب منه، والذي يستحق كل هذا الوعيد !!
- هل نقبل بما رواه البخاري، ونجعل النهي مقصورا على الذهب والفضة ؟؟؟
- أم نقبل بما رواه مسلم، ونزيد البر والشعير والتمر والملح ؟؟؟؟
- هل نحصر الربا في الأصناف المذكورة في الحديثين، كما قال بذلك تعض الفقهاء وعلى رأسهم ابن حزم ؟
- أم نتبع ما قاله البعض الآخر قياسا فعمموا النهي على أصناف أخرى وكذا المال ؟؟؟؟
من الواضح أننا إذا توسعنا أكثر في التحليل، فسنعتبر أن ما ذكر في الحديث هو نهي عن نوع من أنواع المبادلة التجارية أسس حوله الفقهاء مفهوم الربا بسبب عدم وجود نصوص من السنة تبين الربا ولا أنواعه، وهذا بالضبط ما ذكره التاريخ، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال:

(( إن آخر ما نزلت آية الربا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة ))

فكيف لنا أن نناسق بين هذا القول وحديث النبي (ص) حول الربا ؟؟؟ الواضح أن عمر بن الخطاب قد ترك أي تعامل فيه شيهة وتلك سياسة احترازية توخى فيها الخليفة الراشد الحذر من وجهة نظره فلا يجب أخذها كقاعدة تشريعية، فربما كانت سياسته وقتها تعتبر تدبيرا حكيما ولكن يبقى دائما رأيا.
فلا يجب خلط الدين بما فهمه السابقون، فهو فهم معين في زمن معين.
فالدين شيء ومنهاج تطبيق الدين شيء آخر.
وهنا يتضح جليا أن معظم ما وصلنا حول الربا هو مجرد اجتهاد فقهي، ولا يمثل قاعدة شرعية فهو إذن لا يلزمنا في شيء و هو في أحسن الأحوال يصلح لزمان لم تكن فيه المعاملات المالية معقدة كما هي الآن، ومادام الاختلاف قائما منذ زمن الرعيل الأول فمن يمنع الاختلاف الآن ؟ وفي جميع الأحوال يمكن أن نتفق معهم أو نختلف عندما يكون الأمر خاصا بأشكال البيوع التي يجب أن نجتنبها ليس لأنها من أنواع الربا، ولكن لأنها من البيوع التي تشكل ضررا ما ، وذلك انطلاقا من القاعدة الفقهية : "لا ضرر ولا ضرار".
وطبعا أي مجال كان تجاريا أم لا، وجب الابتعاد عن المعاملات السيئة و عدم التعامل إلا مع ما هو حسن.
ما نؤكد عليه، هو عدم خلط الربا مع المعاملات التجارية كانت حسنة أم سيئة.
فهل تمنع الدولة مثلا الاحتكار الذي يعتبره الناس في جميع الأديان أمرا غير مقبول بل سيئ جدا، لأنه يدخل في ما هو محرم ؟ إن وجود الخلافات الفقهية حول مسألة تصنيف الربا تجعل الأمر كله خاضعا للنقد والمراجعة، ولأجل ذلك قمنا بهذه الدراسة، التي نسعى أن تكون فيصلا تريح الناس من هذه الخلافات وتيسر التعقيدات الموجودة التي خلقتها الاتجاهات العديدة للمذاهب والتيارات.
نأتي الآن لنستنبط ما جاء حول الدين والديون..
تعريف الدين : جاءت كلمة دين ومشتقاتها في القرآن الكريم من خلال آية واحدة هي الآية 282 من سورة البقرة والتي تعتبر بالمناسبة أطول آيات القرآن :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

عرف الفقهاء الدين على أنه الحق الثابت في الذمة.
وطبعا نحن هنا لن نتكلم في التعريف اللغوي الذي لا خلاف فيه، بل سنتكلم عن الدين كمعاملة بين طرفين وهل هي معاملة تجارية أم غير ذلك.
فإذا حللنا آية الدين، نجد أن الله تعالى تكلم عن الدين بخصوص توثيقه أي كتابته، لكي لا تضيع حقوق الناس.
وإذا ركزنا في الآية سنلاحظ أنه ليس هناك إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى أن الدين يمكن أن يكون له علاقة بالمعاملة التجارية أو بقصد الربح، بل على العكس فرق بين هذه المعاملة وبين التجارة الذي استثناها من الكتابة : " إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ" ،وكذا كل أشكال البيوع فذكرها منفصلة :

"وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ".

فكما رأينا من قبل أن الربا لا علاقة له بالبيوع، كذلك يأتي دور الدين الذي تبين الآية السابقة عدم وجود علاقة بينه وبين البيوع، ولا بكل ما هو تجاري.
فهنا إذا تتكون علاقة مبدئية بين الربا والدين، كونهما يشتركان في قضية الانفصال عن البيع والتجارة.
فالدين إذاً هو معاملة اجتماعية بين الناس وهي منفصلة عن التجارة والبيوع.
من جهة أخرى ذكر الأجل في آية الدين، هو للتأكيد على أنه لا معنى لدين بدون أجل مسمى، لأن عدم وجود أجل سيشجع على المماطلة في الأداء وبالتالي ضياع حقوق العباد، وهو ذكر من باب التذكير فلابد وأن تكون هناك مدة يرد فيها المستدين دينه.
فلا مجال هنا للكلام عن الأجل في الدين وعدمه في القرض كما ظن فقهاؤنا الكرام، الذين جعلوا الفرق بين الدين والقرض متمثلا في الأجل فقالوا :
الدَّيـن: ما له أجل.
القرض: ما لا أجل له.
وعني شخصيا لا أقبل هذا الفرق، فلا القرض ولا الدين يمكنهما أن يكونا بدون أجل محدد.
فالمقترض أو المستدين كلاهما في حاجة إلى أجل محدد لرد قرضهما أو دينهما.
والفرق بين الدين والقرض هو فرق من نوع آخر سوف نستجليه بعد قليل.
يصبح إذا ً الدين معرفا كالتالي :
الدين عطاء مردود بدون منفعة ولا شرط مسبق سوى تحديد المدة أو الأجل.
فهو إذن علاقة إنسانية خيرية وليس علاقة استثمارية للأموال.
فالناس يتداينون بينهم من باب الإنسانية والأخوة و التعاون.
والإنسان يستدين لسد حاجة أو فاقة وما شابهها، ولا يجب أن يستدين لغير ذلك.
وإذا استحضرنا قوله تعالى :
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
تأكدنا أن ما قلناه ينطبق مع هذه الآية التي تتكلم عن ذوي العسرة وهم أو من بينهم المستدينون الذين تعذر عليهم سداد الدين، فحث الله الدائنين بالتريث أو التصدق بذلك الدين على المستدينين.
فهلا اقتنعنا بأن الدين لا يمكن أن يكون في التجارة أو البيوع ؟؟؟.
تعريف القرض : جاءت كلمة قرض ومشتقاتها في آيات عديدة يمكن أن نذكر منها :

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ

إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ

تبعا للفقه الموروث :
القرض : دفع مال لمن ينتفع به ثم يرد بدله إليه، وبطبيعته ليس له أجل وإلا أصبح دينا، وهكذا فرقوا بين القرض والدين.
وهذا التعريف قد فندناه سابقا، بقولنا أن كلا المصطلحين : القرض والدين لهما أجل.
وأما القاعدة الفقهية التي تقول : "كل قرض جر نفعا هو ربا"، فسوف نبرهن فيما يلي أنها ليست سليمة، و ذلك بالحجة والبيان.
إذا تدبرنا آيات القرض، نجد أن الله تعالى استعمل كلمة القرض ليعبر عن معاملة تجارية بغرض الربح، وهي تجارة مع الله الذي يضمن الربح بل والربح المضاعف.
فهنا نجد تشبيها بمعاملة اعتادها الناس في معاملاتهم مع بعضهم البعض وهي معاملة تجارية بحتة فيها الربح والمنفعة.
وبما أننا نؤمن يقينا أن الله تعالى لا يمكن و لا يجوز أن يشبه معاملة بينه وبين عباده بمعاملة غير مباحة بل يحرمها سبحانه، فالقرض يصبح إذا معاملة جائزة وتقع في دائرة الحلال.
وبناء على ذلك فيمكن أن نعرف القرض بأنه:
عطاء مردود بقصد المنفعة والفائدة.
فهو إذاً علاقة استثمارية بين الناس وليس علاقة خيرية إنسانية اجتماعية.
ونؤكد أيضا أن القرض فيه القرض الحسن وفيه القرض السيئ.
وكما جاء في الآيات التي شددت على نعت القرض بالحسن في وصف التعامل مع الله تعالى، وهذا وللتذكير ليس الصدفة بل هو حث على تحري هذا القرض الحسن، وفي نفس الوقت تذكير أن هناك قرضا ليس بالحسن.
وطبيعة الاقتراض وشروطه هي التي تحدد هل هو قرض حسن أم سيء.
مثله مثل التجارة فهناك تجارة حسنة وهناك تجارة سيئة.
وسنذكر فيما بعد تصورنا لهذا الفرق، ومتى يصبح القرض الحسن سيئا.
الفرق بين القرض والدين : نستجلي بقوة الآن الفرق بين القرض والدين، وهو المتمثل في طبيعة المعاملة نفسها هل هي تجارية فهي إذاً قرض، أو إنسانية اجتماعية فهي إذاً دين.
القرض هو مرتبط بالفائدة فهو قابل للنمو.
وأما الدين فلا ..
الدين هو عمل خيري ترد قيمته كما هو.
وأما القرض هو عمل استثماري تجاري ترد قيمته مع الفائدة.
فلا دخل إذا ً للأجل في الفرق بين القرض والدين، كما ظن فقهاؤنا الكرام.
فالقرض إذن من الطبيعي أن يرجع بفائدة، والفائدة هي المصطلح المستعمل في المعاملات البنكية والمصرفية، وفي الفقه الموروث الفائدة فيها شبهة ربا، فبالتالي هي محرمة، وهنا تكمن المغالطة الكبرى التي جعلت من الرأي الفقهي قاعدة شرعية !!!!، فالشرع إلهي وأما الفقه فإنساني وشتان بين الإثنين.
فعقد القرض لا يخضع لحكم الربا، لأن النصوص لم تتعرض له، فالمسألة مجرد اجتهاد فقهي كما قلنا من قبل.
كما أنني أحب أن أشير إلى أن التحريم هو تحريم المقاصد لا تحريم الوسائل، فالفقه التقليدي لا يرى إشكالا في تغيير الوسيلة لتحليل ما هو محرم، فمثلا يجيز هذ الفقه التعامل بالفائدة إذا كانت مستورة، وهذا ما يسمى بفقه الحيل، وفي هذا الصدد كانت تتبع حيلة معينة، هي أن يبيع المقرض إلى المقترض سلعة بثمن أعلى من ثمنها الحقيقي ثم يقرضه المال بعد ذلك، والفارق بين الثمن العالي والحقيقي هو الفائدة عن القرض !!
ونفس الشيء نراه فيما يسمى بالبنوك الإسلامية، فالمعاملات هي هي لا فرق إلا في الوسائل لا في المقاصد.
فهل هناك حيلة مع الله تعالى ؟؟ وهل يمكن أن يجيز شرع الله هذا النوع من السلوك الملتوي ؟؟ أحب أن أضيف شيئا آخر بالنسبة للقروض :
مصطلح القرض كان يستعمل فيما مضى لغرض إنساني، وقد رويت أحاديث كثيرة في هذا الصدد من بينها:
»ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة« وفي حديث آخر : » كل قرض صدقة « وكانت الزيادة في قضاء الدين مسموحة ما لم تكن مشروطة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان لي على النبي صلى الله عليه وسلم دين. فقضاني وزادني" [رواه مسلم[ على هذا الأساس اختلطت المفاهيم على الفقهاء، ولم يفرقوا بين ما هو تجاري (القرض) وبينما هو انساني اجتماعي (الدين) وهذا ما بيناه سابقا.
وهذا جوابنا على السؤال الأول.
ونضيف قائلين :
الدين هو عمل المؤسسات الخيرية وغيابها يجعل المؤسسات المالية التي تشتغل من المفروض أن تشتغل بالقرض، تستغل هذا الغياب وتقوم مقامها.
والمسؤولية تقع على عاتق الدولة والمجتمع في تجهيز مؤسسات خيرية ممولة من الزكاة والصدقات والتبرعات تقوم بدور الدائن.
وأما المدين فعليه أن يلجأ إلى من يستدين منه لا أن يقترض ما يحتاجه من مؤسسة مالية استثمارية، إلا إذا اضطر لذلك، والآثم في هذه الحالة هو المقرض الذي لم يقيم طبيعة حاجة طالب المال هل هو مقترض أم مستدين.
وكما قال تعالى :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا....
فالواضح من الآية أن الذي يقدم الدين بغرض الربح والاستثمار أي الذي يأكل الربا هو الآثم وآخذ الربا وآكله سواء.
فهنالك استغلال لحاجة الناس في الاستدانة وتحويل الحاجة إلى طلب لقرض بغرض التجارة وهذا أسوء استغلال لحاجة الناس وفقرهم.
تصبح بالتالي الإجابة على السؤال الثاني واضحة، والذي تحدد أيا من المصطلحين له علاقة بالربا، القرض أم الدين.
فتبعا لما بيناه سالفا الربا يكون في الدين وليس في القرض.
والتعريف السائد للقرض أو القاعدة التي تعتبر من المسلمات الفقهية التي ينطلق منها جل الباحثين في قضية الربا غير صحيحة، ألا وهي :
"كل قرض جر نفعا فهو ربا".
والأصح أن نقول : "كل دين جر نفعا فهو ربا". وإلا لكان تعامل ربنا مع الناس في مجازاتهم لإقراضهم له هو من الربا !!، وحاشا أن يكون كذلك ، فلا يليق ذلك بالذات الإلهية ولا يجوز أن ينهانا ربنا عما يتعامل به معنا.
فهو الذي يقول :

مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ

نضيف إلى ما قلناه سابقا، ونؤكد :
القرض بطبيعته فيه منفعة وهدفه استثماري.
الدين لا يجب أن يجر منفعة وإن جر فهو ربا.
فلا ربا إذاً إلا في الدين.
وهذا جوابنا على السؤال الثاني. فيما يخص السؤال الثالث عن علاقة الربا بالصدقة أقول :
في قوله تعالى :

يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ

لماذا تم ذكر الربا في هذه الآية تم ربطه بالصدقة وبهذه الطريقة ؟ لا شك أن العلاقة بينهما ليست بمحض الصدفة، فالقرآن لا نجد فيه مكانا لصدف أو لعشوائية في منظومته الكلامية.
ومن هذا المنطلق يمكن أن نستنتج وبسهولة من هذه الآية أن الربا والصدقة مصطلحان متقابلان ، بمعنى أننا يمكننا تصور الصدقة كحل لقضية الربا من خلال اعتبارها كطريقة لسداد الدين عن المستدين، وطبعا لا يمكن أن يكون ذلك إلا في المعاملات الإنسانية الخيرية ، فلا يعقل أن تكون في المعاملات الاستثمارية.
وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذه الآية دليلا آخر على ما قدمناه سابقا بخصوص الربا وأنه يكون في الدين وليس خاصا بالقرض.
وإتماما لما ذكرنا بخصوص الصدقة، فهي تعتبر كبديل من أجل تعويض المدين في حالة عجز المستدين عن السداد، أو أن يعتبر المدين الدين صدقة في سبيل الله متنازلا عنه.
ويؤكد قولنا هذا ما أدرجناه سابقا بخصوص الآية التالية :

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

وهذا جوابنا على السؤال الثالث. بخصوص السؤال الرابع عن علاقة الربا برأس المال :
قبل أن نجيب عن هذا السؤال، لا بد وأن نتطرق إلى آبة مهمة أعتقد أنها لم تأخذ حقها من الدراسة سواء من طرف الفقهاء او من طرف المتخصصين في المعاملات المالية والتي يمكن أن يستنبطوا منها الكثير. وهذه الآية هي :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

لماذا قال تعالى : أضعافا مضاعفة ؟؟ هل النهي عن أكل الربا بدون تحديد الزيادة غير كاف ؟؟ هل تحديد الضعف والأضعاف مقصود في الآية ؟؟؟ هل يمكن فهم ذلك أن الضعف الواحد للمبلغ مسموح به كفائدة قابلة للاسترداد ؟؟ أو يمكن أن نفهم أنه ليس هناك ربا إلا إذا كانت الفائدة تفوق ضعف مبلغ الدين الأصلي.. أي رأس المال ؟ وكيف يستقيم هذا الفهم مع الآية التالية :

وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ

وهل يمكن أن تكون هناك فائدة في الدين ونحن قلنا أن الفائدة في القرض ولا ربا في القرض ؟؟ أم أن هناك تقاطع ممكن بين القرض والدين ؟؟؟ أي بمعنى آخر، هل يمكن مثلا أن يصبح القرض دينا ؟؟ هناك حلقة مفقودة لا بد من إيجادها للتوفيق بين مدلولات الآيات.
فكل ما ذكر حول الربا يجب أن يكون متناسقا في الدلالة والمفهوم.
إن أي تصور لمفهوم الربا لا يؤلف بين المفاهيم الكامنة في كل الآيات التي تتطرق له والمصطلحات المتعلقة به، والاعتماد على تصورات مبنية أساسا على موروث ظني ، يعتبر تجاوزا خارقا لكل المناهج العلمية وقفزا فوق العقل الراشد الذي لا يقبل إلا ما أسس على بنية معرفية وعلمية صلبة.
ما انتهى إليه اجتهادي في هذه القضية وخصوصا في الحلقة المتعلقة بالربا ورأس المال والأضعاف المضاعفة وبالموازاة مع ما وصلنا إليه بخصوص القرض والدين والصدقات يتبين لنا كالتالي :
تحريم الربا راجع إلى كون المرابي ينمي ماله عن طريق استغلال المدان لضعفه وحاجته، وهذا هو ربا الدين وهو الربا الوحيد، وهو حرام، وأما القرض فهو علاقة بالتراضي ليس فيها استغلال لأن المقترض يستفيد من القرض من أجل منفعة مادية معينة، لا يكون في حاجة ماسة إليه، فهو نوع من البيوع والأصل في البيوع الإباحة، وأحل الله البيع وحرم الربا.
ولكن القرض عندما يتجاوز قيمة المنفعة منه وهي الفائدة التي يمكن أن تصل إلى الضعف وهذا يقع عندما يتأخر المقترض عن سداد المتأخرات، وهنا ندخل دائرة الحرام لأن الضعف سيصبح ضعفين أو أضعافا، فيصبح للمقترض ديونا مستحقة السداد وهنا يتحول القرض مع الفوائد إلى دين.
ويؤكد قولنا هذا ما جاء في رواية عن الإمام مالك (1378) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : " كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إِلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ؟ فَإِنْ قَضَى أَخَذَ وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ ". فلا يعقل أن يعجز المقترض عن السداد ويستمر المقرض في حساب الفائدة.
فمبلغ الفائدة يصبح ثقلا أي دينا لا يجب أن تزداد قيمته مع المدة الزمنية، لأن هذا هو عين الربا.
وهنا نستحضر كلامنا عن القرض الحسن والقرض غير الحسن.
فالقرض يبقى جسنا مادام لا يؤدي إلى أكل للربا الذي حرمه الله تعالى.
يجب أن يكون هناك حد معقول تتوقف فيه زيادة الفائدة وهو الضعف الواحد على أكثر تقدير.
فإذا تعدى ذلك يصبح أضعافا مضاعفة وهو ما نهى الله عنه.
وفي هذه الحالة على الأقل يسترد المدين حقه المكفول وهو رأسماله الذي يساوي المبلغ الأصلي المقترض مع الفائدة المتفق عليها مسبقا والتي يمكن أن نجعل حدا أقصى لها هو معدل التضخم السنوي (كما اجتهد في ذلك بعض الفقهاء المجددين).
وكما قال تعالى :

فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ

فكما أن المدين لا يجب أن يُظلم، فكذلك الدائن، ومن الظلم أن يكون رأس مال الدائن هو نفس القدر الذي أقرض به المدين بعد أن تاجر به هذا الأخير واستغله للربح !!

وهذا جوابنا على السؤال الرابع.

باختصار :
في وجود اختلاف مسبق بين المذاهب الفقهية حول تقييم المعاملات الربوية، وفي وجود كتابات كثيرة للسلف حول المعاملات المالية التي تبقى في أحسن الأحوال صالحة لزمانها لتغير الظروف والأدوات وأشكال هذه المعاملات، وبالرجوع إلى ما فصلناه في هذه الدراسة، ومستعملين مقارنة بين ما ورد في الفقه الموروث وبين اجتهادنا المتواضع ، ومحققين مقاربة بين كل ما ذكر مع العقل والمنطق، استعرضنا مفهومنا الجديد للربا في ضوء كلام الله الذي استنبطنا منه ما هدانا الله إلى استنباطه.
ونلخص قولنا في التالي :
- الخلاف الموجود في قضية الربا هو ليس خلافا على تحريمه بل على مفهومه.
- الربا يكون في الديون لا في القروض.
- الدين هو معاملة انسانية خيرية.
- القرض هو معاملة تجارية استثمارية.
- القرض فيه القرض الحسن وفيه القرض السيئ.
- القرض الحسن يصبح سيئا إذا تحول إلى دين وظل محتفظا بنفس حيثيات وطبيعة القرض وبالتالي جر ربا.
- وجوب التفريق بين المؤسسات الإستثمارية و المؤسسات الخيرية.
المؤسسات الخيرية هي المسؤولة عن الديون التي يجب أن تقدمها للمحتاجين، وأن تكون من بين مواردها الزكاة وتبرعات الأغنياء.
وأما المؤسسات الاستثمارية فهي المسؤولة عن القروض ويدخل ذلك في باب التجارة المباحة طالما التزمت بالضوابط الشرعية انطلاقا من القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار" .
ومن واجب هذه المؤسسات أن تتحرى طبيعة حاجة الزبون هل هو مقترض لغرض استثماري أم هو من المحتاجين لسد فاقة من قوت أو لمرض أو لضيق من أي نوع.
- المعاملات المالية للبنوك والمؤسسات المالية هي معاملات تقوم على أنشطة مرتبطة بإدارة المال واستثماره بطرق شتى يدخل في باب التجارة المشروعة ويجري عليها ما يجري على أي معاملة تجارية أخرى يجب فيها الالتزام بالضوابط الشرعية كما ذكرنا من قبل.
في مجتمعنا سوف نجد جميع أشكال المعاملات المالية.
فسوف نجد الديون التي يتعامل معها الدائنون على أنها قروض ففي هذه ربا.
فكل فرد أو مؤسسة مالية أو أيا كان يقدم قرضا لفرد أو مؤسسة محتاجة إلى دين فقد تعامل بالربا.
والأمثلة على ذلك عديدة نذكر منها :
المؤسسات التي تقدم قروضا لمن يحتاج إلى إطعام نفسه ومن هم تحت مسؤوليته، أو إلى تطبيبهم أو إلى شراء حاجياتهم الضرورية أو لممارسة عبادة كالحج أو لأداء سنة كأضاحي العيد، وكل ما شابه ذلك، يدخل في باب القروض السيئة.
فهؤلاء بجب أن تكون هناك مؤسسات يستدينون منها بدون فوائد، ولم لا مساعدتهم مجانا، واعتبار ذلك من الصدقات والزكوات.
بالمقابل نجد القروض التي تتعامل بها المؤسسات أو الأفراد محترمين قواعد القرض الحسن.
ونجد كذلك حالات يتعامل فيها المقرض بقرض حسن ثم يحوله إلى قرض سيئ باستغلال المقترض حين وصول أجل سداد قرضه.
وهنا سوف نجد أمثلة لمؤسسات مالية عديدة، تمارس هذا النوع من القروض.
فكثيرا ما يتم إفلاس شركة أو تاجر أو ربما لحبسه وربما لانتحاره بسبب غرقه في ديون متراكمة، كانت أول الأمر ديونا بسيطة فتحولت بقدرة قادر وطبعا بسبب تضاعف الفوائد المستحقة، فأصبح هناك ربا واضح، وهذا ما حذر منه ربنا تعالى حين توعد المتعاملين بالربا بحرب منه، فهذا الوعيد لا يمكن أن يكون إلا مقابل فعل شنيع اكبر مما صوره لنا الموروث، وهو ما أكد عليه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حين نهى عن ربا الجاهلية بقوله : (إلا وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب), ، وهو الذي كان يؤدي في غاية المطاف إلى استعباد المدين من طرف الدائن بعد أن يكون قد عجز عجزا تاما عن قضاء دينه.
وهذا النوع من الربا هو المسمى بكتب الفقه ب "ربا النسيئة”، والمنسوب لبعض الصحابة والتابعين –وعلى رأسهم ابن عباس، أن لا ربا غيره، ولذلك كان محرما لأنه كان يشكل خطرا كبيرا على المستدينين بل وكان ظلما كبيرا.
وأخيرا وليس آخرا:
الحرام ما حرمه الله، والحلال ما دونه.
دائرة الحرام يجب أن تبقى ضيقة وما وسعناها إلا ضيقنا بذلك على الناس في معاشهم وحياتهم.
تبقى القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار" من أدوات تحري الحلال والحرام.
وهي المنطلق والمرجع في حال اختلاف الأمة حول قضية ما فقهية كان أو شرعية.
والله أعلم...
أسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في هذه الدراسة وأن يكون اجتهادي في الاتجاه الصحيح، وإيمانا مني بأن الخطأ ممكن ووارد، وكما قال تعالى :

" وليس عليكم جناح فيما أخطأتم فيه ولكن ما تعمدت قلوبكم"

، وأنا لم يكن اجتهادي إلا من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين.
** الكاتب : وديع كيتان **
لمشاهدة حلقة اليوتيوب الخاصة بالموضوع :

[ 3 ] تعليقات :

2016-11-13 10:29:29 محمد من الجزائر soubek@yahoo.fr
السلام عليكم ورحمة الله، أما بعد أود أن أسألكم على القرض لشراء سكن هل يعد من القرض السيء، خاصة وأن ثمن شراء بيت في الجزائر أصبح مكلف جدا.. وفي تزايد مستمر.. ما يحول دون تمكننا من توفيره وجزاكم الله خير الجزاء

2016-11-13 10:29:03 محمد من الجزائر soubek@yahoo.fr
السلام عليكم ورحمة الله، أما بعد أود أن أسألكم على القرض لشراء سكن هل يعد من القرض السيء، خاصة وأن ثمن شراء بيت في الجزائر أصبح مكلف جدا.. وفي تزايد مستمر.. ما يحول دون تمكننا من توفيره وجزاكم الله خير الجزاء

2014-09-30 00:00:00 Rochdi من Morocco rochdym@hotmail.fr
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ) . ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه ) رواه أحمد ( 21996) . وقال الألباني : " وسنده صحيح على شرط مسلم " انتهى من " السلسلة الضعيفة (1/62) .
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
المرجو ملء خانة الإسم
المرجو ملء خانة البريد الالكتروني
المرجو كتابة نص التعليق






جميع الحقوق محفوظة © 2012 (Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com