تعدد الزوجات - آراء فقهية | Kitane.net
توقيت المغرب :
السبت 30 شوال 1447 هجرية الموافق ل18 أبريل 2026

أنت الزائر رقم

تعدد الزوجات

منشور في : 2015-06-19
تصنيف : آراء فقهية
مسألة تعدد الزوجات تدخل في زمرة القضايا التي أعتقد أنها فُهمت بشكل سيء واستخدمت بشكل أسوء في التاريخ الإسلامي، وما زال يفهمها السواد الأعظم من المسلمين كما فهمها الأولون، ولولا القوانين وصعوبة الحياة ماديا لما وجدنا رجلا بزوجة واحدة !!
والقليل القليل من المسلمين لا يستطيعون هضم المسألة ويرونها رخصة يجب أن توضع لها قيود تحد من انتشارها، أما الحقوقيون فيعتبرون ذلك إهانة للمرأة وظلما لها وبالتالي يجب منع التعدد، وأما النساء فبالرغم من إظهار بعضهن القبول بالمبدأ وعدم الاعترتض عليه مادام الشرع يقر ذلك، إلا أنه في الحقيقة لن تجد امرأة واحدة تقبل بضرة تشاركها زوجها.
وأنا بطبيعة الحال، وكما أتعامل مع جميع قضايا الفكر الإسلامي، فالوسطية هو منهجي، وأقف بين التيارين، لا رافضاً لمبدأ التعدد ما دام رخصة إلهية ولا مؤيدا له بدون ضوابط حقيقية.
و مسألة الضوابط هي ليست جديدة بل جل فقهائنا الأفاضل أو كلهم يقولون بأن تعدد الزوجات يخضع لضوابط وعلى رأسها العدل بين الزوجات.
وهنا يكمن الاختلاف بيني وبينهم، فالمسألة بالنسبة لي لا تخص العدل وحده بل تتعداه إلى ضرورة التعدد وجدواه.
الهدف من البحث هو توضيح ما جاء به الشرع بخصوص هذه القضية، ثم سد الطريق أمام من يتهم الإسلام بهضم حقوق المرأة استنادا إلى مفهوم شائع لا يبين الحقيقة، ولكي نبين عكس ما يظنون وأن الإسلام بتشريع التعدد (وكما سنبينه) حافظ على حقوق المرأة وكرس المفهوم الحقيقي للتكافل الاجتماعي.
في هذا المقال سوف أطرح المسألة بشكل مستفيض عسى أن تكون فبه الإجابة على تساؤلات الحيارى من المسلمين الذين لا يستطيعون الجزم في المسألة مادام الفقه التقليدي لا يخرج عما يحمل الموروث وما اعتاده المسلمون طيلة القرون الماضية.

أولا :

وقبل الشروع في الدراسة، ولكي أقرب القارئ من الهدف المنشود، أقول أن مسألة التعدد كما تعامل معها الإسلام هي تشبه إلى حد بعيد من حيث منهج الطرح مسألة الرق في الإسلام، فالقضية هي في حد ذاتها ليست تكثير قلة بل تقليل كثرة، أي أن الإسلام كما جاء يحد من الرق ومن استعباد الناس باتخاذهم عبيدا وإماء، واستعمل أساليب لتحريرهم، فهو كذلك جاء يحد من الزواج المتعدد فمن المعروف أن الرجل في الجاهلية كان يتزوج العشرات بدون أي ضابط، فكانت هناك فوضى في هذا المجال. وكما نعلم فمنهج الإسلام في الحد من الرق كان حاسما، فتم القضاء على هاته الآفة بالتدرج، وأصبح الناس أحرارا بفضل أسلوب الإسلام الحكيم في معالجة مثل هذه القضايا.
وأعتقد أنه يجب أن نفهم قضية تعدد الزوجات بنفس المنطق وسيأتي تفصيل تصورنا لذلك فيما بعد.

ثانيا :

يجب التذكير بأن الأصل في الزواج، هو الزوجة الواحدة، يقول تعالى في أول سورة النساء :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا

فحتى عند بدء الخليقة، اختار ربنا عز وجل أن تكون لآدم زوجة واحدة يعيش معها لينجب منها كل الخلق من الرجال والنساء.
قال تعالى في سورة البقرة الآية 35:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ

فكأن الله تعالى قد حسم في الأمر منذ أول خلق وجعل لكل زوجا كان رجلا أم امرأة.
شيء آخر، ليست هناك آية تذكر أكثر من زوجة واحدة لفرد واحد إلا في حالة الرسول (ص) وكما جاء في آيات عديدة منها قوله تعالى :

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا

فجل الأنبياء لم تكن لهم إلا زوجة واحدة حسب ما جاء في القرآن الكريم :
فقد جاء عن النبي نوح وعن النبي لوط عليهما السلام :

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ

وعندما أراد النبي زكرياء عليه السلام الإنجاب، لم يدعه ربه بالزواج من أخرى، بل أصلح له زوجه فأصبحت قادرة على الإنجاب.

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ

وفي موضع آخر، وعندما يتكلم القرآن عن السحر وما يفرق بين المرء وزوجه، لم يعدد بقوله "أزواجه":

...فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ...

الآية : 102 سورة البقرة وحتى إذا أخذنا حالة النبي صلى الله عليه وسلم، فسنجد أن الأصل هو زوجة واحدة هي زوجته خديجة الذي كان له منها الأبناء، ثم لم يكن زواجه الثاني إلا بعد وفاتها.
ثم أن زواجه المتعدد لم يكن شهوة أو رغبة عابرة، بل كان لأسباب معروفة، منها تقوية الروابط بينه و بين كبار أصحابه مثل أبى بكر و عمر رضي الله عنهما، وبينه وبين قبائل العرب مثل بني هلال ، ومنها تكريم وإيواء الضعيفات من أزواج الشهداء في حالة زينب بنت خزيمة و أم سلمة رضي الله عنهن، ومنها لأمر إلهي كان الهدف منه إبطال عادة التبني في حالة زواجه من زينب بنت جحش، ومن الأسباب كذلك تولي زوجاته مثل عائشة و حفصة و أم سلمة رضي الله عنهن تعليم النساء المؤمنات أمور دينهم.
كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على الأصل في الزواج هو واحدة.
وبالتالي صار التعدد استثناءً و حالة خاصة.

ثالثا :

خلال كل دراسة لمسألة فقهية يجب طبعا إخضاعها للنص، والباعث هنا لمسألة تعدد الزوجات هو آية قرآنية واحدة ( الآية 3 من سورة النساء) :

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ

قبل نزول الآية كان التعدد ثقافة سائدة وعادة منتشرة، بفضلها كانت تتحقق للرجل مكانة متميزة فكان يعتبرها مفخرة و رجولة و "بطولة"، بالإضافة إلى ابتغائه من ورائها كثرة الأولاد وبالتالي زيادة الرزق.
ولم تكن تلك الثقافة حكرا على المسلمين بل سبقهم غيرهم سواء المنتسبين إلى ديانات أخرى أم الذين لل دين لهم، ومازال ذلك منتشرا إلى الآن عند بعض القبائل الافريقية والهندية، وطبعا عدد الزوجات غير محدود.
أما الآن وفي الموروث الشعبي المنبثق من الموروث الديني، تسمع مقولة "الشرع أعطانا أربعة" !!!!
معنى ذلك أن ديننا منح الرجال الحق في أربعة أزواج، وهنا تكمن المغالطة الأولى التي تعامل بها المسلمون على مدى القرون الماضية و ما زالوا.
في حين نجد الآية الكريمة تتكلم عن رخصة تتيح للرجل اتخاذ أكثر من زوجة، والحد الأقصى هو أربعة.
وهذه رخصة لها سبب ولها باعث كأي رخصة إلهية شرعها الله في مجالات عديدة مثل :
رخصة قصر الصلاة كما جاء في قوله تعالى :

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا

رخصة الإفطار في رمضان في قوله تعالى :

فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

ففي الآيات التي استشهدنا بها، نجد العامل المشترك بينها الجملة الشرطية.
و الجملة الشّرطيّة هي جملة مركّبة تشتمل على جملتين متلازمتين لا يتمّ معنى الأولى إلاّ بالثّانية، وتسمّى الأولى ” جملة الشرط”، والثانية” جواب الشرط”.
و "إِنْ" و "مَنْ" هما أداتا شرط مثلهما مثل "لولا" و "لو" و "كلما" و.......
فإذا كان لا قصر في الصلاة إلا إذا كان هناك خوف في السفر، وإذا كنا لا نفطر في رمضان إلا إذا كنا مرضى أو على سفر، فكذاك لا ينكح الرجل أكثر من زوجة واحدة إلا إذا كان هناك خوف من الإقساط في اليتامى، وهذا ما يجب أن يُفهم من الآية محل الدراسة.
وسيأتي توضيح ذلك فيما بعد.
الفرق شاسع بين إباحة الشيء على الإطلاق وبين الترخيص له وفق شرط معين أو شروط معينة.
فالأمر واضح هنا على أن تعدد الزوجات رخصة مقيدة بالخوف من عدم الإقساط في اليتامى.
وأما شرط العدل بين الزوجات والذي يعتبره السلف الضابط الوحيد للتعدد فهو ليس كذلك بل هو شرط إضافي ينضاف إلى القسط في اليتامى.
فلا يصح إذن أن نقول أن الرجل يحق له الزواج من أكثر من واحدة شرط العدل في الإنفاق عليهن !!!!
فهذا لم تقله الآية ولم يشرعه ربنا كذلك.
فعندما يريد تعالى أن يشرع أمرا بكيفية مطلقة فهو يقول مثلا :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

فهذا تشريع لأكل الطيبات دون شرط ولا قيد...والأمثلة من القرآن عديدة.
وفي حالتنا، فلو أتت الآية محل الدراسة بالشكل التالي : (أي بدون جملة شرط) مثلا :

يا أيها الذين آمنوا انكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألا تعدلوا فواحدة ...

فعندئذ يصح المفهوم السائد.
ولذلك قلت في البداية فالاختلاف الاول مع السلف في هذا القضية، هو اختلاف في المبدأ، أي في ضرورة التعدد ومتى يحين وقته وظرفه.
تعدد الزوجات هي رخصة مقيدة بالإقساط في اليتامى عندما يكون هناك يتامى يتكفل الرجل بهم، وليس الأمر إباحة مطلقة شرط العدل بين الزوجات !!!
بل إن العدل هو شرط إضافي وهو هدف في حد ذاته إذا انعدم اصبح التعدد غير جائز.
نأتي إلى الاختلاف الثاني فهو خاص بالتفسير الموروث للآية والذي يقول بأن "اليتامى" في الآية هم اليتيمات اللواتي تحت رعاية الرجل وأنه إن خاف ألا يقسط فيهن أي (ودائما حسب كتب التفاسير) ألا يعطيهن مهورهن، فليتزوج ما سواها من النساء مثنى وثلاث ورباع !!!!
وهذا التفسير مأخوذ من رواية لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها عندما سألها عروة بن الزبير :( يَا ابْنَ أُخْتِي ! هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا ، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ ) بالنسبة لي أرى أن هذه الرواية لا تخص الآية محل الدراسة بل تخص الآية 127 من سورة النساء :

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا

وهنا كانت المغالطة الأخرى والتي تم فيها الخلط بين ما جاء في هذه الآية وما جاء في آية التعدد، مع أن السياق مختلف والتعبير اللغوي مختلف.
فكلمة "اليتامى" في الآية محل الدراسة يراد بها اليتامى من الذكور والإناث، فليس هناك إشارة إلى أن المراد فقط اليتيمات، بخلاف ما جاء في الآية الأخرى : 127 من سورة النساء الذي كان فيها تخصيص و تحديد بقول : (... يَتَامَى النِّسَاء ...) أي اليتيمات اللاتي يرغب الرجال في نكاحهن دون إتيانهن مهورهن.
أما في الآية محل الدراسة فهناك تعميم بذكر كلمة "اليتامى" والدليل على ذلك أن الآية فبلها (الآية 2 من سورة النساء ) تقول :

وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا

وبعدها مباشرة جاءت الآية :

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ

فسياق الآية يبين استمرارية نفس الموضوع، وهو التكفل باليتامى وشروطه.
فالأمر كله مرتبط بإعالة اليتامى أي الإنفاق عليهم وتربيتهم والمحافظة عليهم، دون المساس بحقوقهم أو حقوق أمهاتهم.
الآية إذن تقول : إن خفتم أيها المتكفلون باليتامى وهم الأطفالَ الواقعين تحتَ ولايتكم ، أن تقسطوا فيهم أي تحسنون رعايتهم وإعالتهم، فانكحوا ما طاب لكم من النساء أي أمهات اليتامى مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم ألا تعدلوا أي إذا لم تستطيعوا إقامة العدل المطلق (ليس بين النساء بل في الأمر كله) وذلك لصعوبته، فواحدة أي اكتفوا بواحدة أي بزوجة واحدة (الأصلية) أو ما ملكت أيمانكم (أي بما لديكم من ملك يمين إن وجد)، ذلك أدنى ألا تعولوا أي ذلك خير من أن تكثر عيالكم فلا تقوموا بالعمل الأصلي الذي يشكل الأولوية وهو رعاية الأيتام.
الإشكال الذي يبقى مطروحا هو علاقة القسط باليتامى أو عدمه بنكاح النساء مثنى وثلاث ورباع !!
أي هناك من سيتساءل "ما العلاقة بين القسط في اليتامى وبين الزواج من أمهاتهم" ؟ الجواب ليس بالأمر الصعب، و تصوري للمسألة جاء بناء على جاء به التاريخ وأقرته بعض الآيات القرآنية:
فأهل الجاهلية من العرب كانوا لا يخلون في غالب الأوقات عن الحروب وكانت حوادث القتل منتشرة يكثر بذلك الأيتام، وكان الأقوياء منهم يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فيتزوجون بهنّ أو فقط يضمونهم، ويأكلون أموالهن إلى أموالهم ثم لا يقسطون فيهنّ، وربما أخرجوهن بعد أكل مالهنّ، وقد شدد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث والظلم الفاحش وأكد النهي عن ظلم اليتامى وأكل أموالهم كقوله تعالى: «

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[10]» (النساء 10) ، وقوله تعالى : «وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا»

(النساء 2) الإسلام تعامل مع حالة موجودة ولم ينشئها، فقط أعطى حلا وقتيا بناء على معطيات ظرفية.
المعطيات هي أنه بعد مجيئ الإسلام، وجد من دخل الإسلام نفسه أمام حالة حرجة، يتامى بعضهم بأمهات تحت رعايته، فأصبحت لديه مسؤولية كبيرة، الرعاية والتكفل وفي نفس الوقت الخوف من القسط فيهم، وأين يتجلى هذا الخوف ؟ في الطريقة التي سوف يمارس بها هذه الرعاية مع الحفاظ على حقوق اليتامى وعلى حقوق أمهاتهم.
فالآية فهي باختصار تتكلم عن الرجال الذين يتكفلون برعاية الأيتام وأمهاتهم ويجدون حرجا أو صعوبة في العدل بينهم في الإنفاق عليهم، وبعضهم تكون لهم الولاية على أموالهم.
في رأيي أنه كانوا يرعونهم ولربما كانوا يخصصون لهم بيوتا يضطرون لزيارتهم بها وتكون الأمهات بمعيتهم طبعا فيكون هنالك حرج وصعوبة في الرعاية لأن الأمر مرتبط بسمعة الأمهات لتردد المتكفل عليهن، أو لربما تكون الأم بحاجة إلى زوج وكان متعذرا على المتكفل الزواج منها لعدم رغبته في ذلك، فتكون مضطرة للزواج من آخر، وإذا كان ذلك يفقد أطفالها رعايتها وحنانها إذا لم يرغب الزوج الجديد في أولادها، باختصار المسألة متشعبة وكانت بحاجة إلى حل، ولما كانت هناك حالات متعددة، رخص الله للرجال اتخاذ عدة زوجات للحفاظ على ظاهرة التكافل الاجتماعي.
ولا يجب أن ننسى أمرا مهما في هذه القضية، وهي أن الزواج هنا هو زواج ثان أي أن المقصود بهذه الآية هم الرجال المتزوجون، بدليل أنّه تمّ البدءُ في عبارة (انكحوا ما طاب لكم من النساء ..) ب "مثنى" ، وهذا أمر لا يجب إغفاله في هذه القضية.
لا ننسى أن نذكر أن ما ذهب إليه معظمُ المفسِّرين من أنّ إباحةِ التعدّدِ يدعو الرجالَ إلى تركِ النساءِ إذا تعذر الإقساط فيهن، وإلى الزواجِ من غيرِهنّ، لا يستند إلى أي منطق أو دليل، فعلى الأقل كانت سترد كلمة "غيرهن" في عبارة "انكحوا..."، ثم ما القيمة المضافة لكلام من قبيل "إذا لم تستطع الزواج من يتيمة مخافة الإقساط فيها فانكح غيرها ؟؟ !!!!!
باختصار تعدد الأزواج هو كما قلنا في البداية ليس تشريعا في حد ذاته بل تقييدا لحالة خاصة كانت منتشرة آنذاك ويمكن أن تتكرر في أي زمن خصوصا عندما تكون الحروب وتكثر الأرامل وتصبح هنالك مشكلة في الأيتام الذين يفقدون آباءهم.
هذا تصوري للقضية ومن الممكن أن تكون هنالك تفسيرات أخرى تصب في نفس المعنى، فالدافع هو دافع إنساني بحت والهدف هو رعاية اليتامى كانوا أطفالا أو نساء، وليس الغرض تشريع التعدد لهدف آخر غير الدافع الإنساني.
ومن هذا المنطلق يجوز أن نعمم الرخصة على حالات شبيهة بالحالة التي ذكرها القرآن كشرط، فيمكن أن نجيز التعدد في حالة مرض الزوجة المزمن أو في حالة عقمها، بشرط أن يخيرها الزوج بين البقاء على ذمته أو لا. وربما ظهرت حالات أخرى مشابهة، فالهدفُ من إباحةِ تعدّدِ الزوجاتِ في المجتمعِ هو إيجادُ حلٍّ لمشاكلِ هذا المجتمعِ الناتجة عن طوارئ تؤدي في حالة عدم حلها إلى خلخلة توازن المجتمع بأسره، وليس الهدف إشباع رغبة ذكورية أو شهوة عابرة.
في الختام، المفهوم الذي أتت به الآية هو :

تعدد الزوجات هي رخصة لها شروطها

- الشرط الأول هو الإقساط في اليتامى.
- الشرط الثاني هو مخافة العدل في الرعاية بهم وبأمهاتهم.
العدل بين الزوجات لا مكان له في هذه الآية لأن الأمر محسوم بآية أخرى يقول فيها تعالى :

وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا

فقد بين سبحانه بأنه يستحيل العدل بينهن، ولكن السلف حاول فك تناقض تفسيرهم بقولهم أن العدل هنا معنوي و في الآية الأخرى مادي !!
بالنسبة لي هو فقط يمكن أن يكون ضابطا ينضاف إلى الضوابط الأخرى، وأضيف و أقول أن هناك تشديد في الترخيص لهذه القضية لأن العدل مطلوب وصعب التحقيق ولكنه ليس بالمستحيل.
إن التمسك بالمفاهيم الموروثة التي لم تراعى فيها روح الإسلام الحقيقية، ولم يتم فيها التدبر الجيد لآيات الله تعالى ومقاطعة بعضها ببعض، لا يخلق إلا استخداما سيئا أو تمردا على أحكام الله من طرف ضعيفي الإيمان، ومن تم يعتقد ضعيفو الإدراك بعدم صلاحية تلك الأحكام.
كما أن الظلم الذي يقع على المرأة هو ليس كما يفهم أولئك الذين يرون الإسلام قد أهان المرأة وجعلها من طبقة دونية، ولكن جراء استخدام حقوق موروثة عن عصبيات المجتمعات المتخلفة لا تمت للإسلام بشيء.
وحتى (المجتمعات المتحضرة) هي في حقيقة المرأة تقدم المرأة كسلعة وهم يوهمون المسلمين بعكس ذلك.
تشريع التعدد هو من بين كثير من الأحكام الفقهية التي تخص المرأة ومنها الإرث ومسألة القوامة، والتي روعيت فيها حالات اجتماعية خاصة وواقع مفروض لا يمكن أن يستوعب أبعاده إلا ذوو الحكمة البالغة، ووجب استخدامها وفق قواعد متينة ولا يمكن أن تترك للسفهاء.
إن أحكام الله متكاملة لا يجوز التعامل معها بشكل اعتباطي، ولا يمكن حشر الأعراف والتقاليد والثقافة الشعبية فيها، وإلا أصبح لدينا خليط غير متجانس نسوقه على أنه الدين القويم.
والله أعلم.
** الكاتب : وديع كيتان **
لمشاهدة حلقة اليوتيوب الخاصة بالموضوع :

[ 1 ] تعليقات :

2015-07-10 13:56:45 أحمد صـلاح الدين من UK sorational@yahoo.com
تحية طيبة للأستاذ الفاضل وديع كيتان، وليسمح لى ببعض التعقيب والرأى؛ لغويا؛ الشرط فى مقطع الآية (وإن خفتم أن تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ...) لا يقطع بأن التعدد لم يكن معمولا ومسموحا به قبل الآية أو لتقييد التعدد جملة وتفصيلا بالخوف من عدم القسط فى اليتامى فقط .. ومنطقيا، هذا المقطع هو تشريع يستهدف عدم القسط لا عدد الزوجات. وتاريخيا، هناك تواتر حى غير منقطع أو مختلف عليه فى أن المسلمين عددوا الزوجات فى الحالت التى لا ينطبق عليها هذا الشرط فى كل العصور منذ عصر الرسالة حتى الآن .. وعلميا فإن امرأة واحدة لا تكفى الرجل عند معظم الرجال وقد كان ذلك من أهم دوافع البغاء فى جميع العصور مستهدِفا حاجة الرجل الملحة للجنس الذى يدفع فى سبيله المال .. هذا بعكس المرأة التى لا يتم ترويج سلعة الدعارة لسد حاجتها الجنسية فلا يوجد امرأة تدفع المال من أجل المعاشرة وإلا لأقاموا دور دعارة للنساء وهذا غير موجود! كذلك (وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ...) فإن هذا المقطع يقطع بأن القصر لم يكن موجودا قبل الآية أو معمولاً به بشكل أو بآخر بسبب: (فليس عليكم جناح)، إذ لو كان موجودا لأتى جواب الشرط مباشرة بـ (فاقصروا) دون: (ليس عليكم جناح) مثل (فانكحوا). مع كل التحية والود والتقدير.
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
المرجو ملء خانة الإسم
المرجو ملء خانة البريد الالكتروني
المرجو كتابة نص التعليق






جميع الحقوق محفوظة © 2012 (Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com