مدخل إلى نقد مصطلح الحديث - دراسات في الحديث | Kitane.net
توقيت المغرب :
الخميس 27 شوال 1447 هجرية الموافق ل16 أبريل 2026

أنت الزائر رقم

مدخل إلى نقد مصطلح الحديث
منشور في : 2014-05-20
هذا الجزء الأول من سلسلة مقالات حول مصطلح الحديث، وهو يعتبر مقدمة لدراسة مستفيضة في هذا المجال.
إن الكثير من القضايا الدينية والتي أثارت الجدل عبر العصور، طرحت و مازالت تطرح إشكاليات عديدة لكونها خضعت لمقاربة دينية تم الاحتكام فيها أساسا على الأحاديث النبوية كمصدر رئيسي اعتقادا أن القرآن الكريم لم يتطرق إليها، في حين أنه أشار إليها و لم يفصل أو تعمد عدم ذكرها من أجل حكمة لا يعلمها إلا هو عز وجل.
فهذه الدراسة تأتي لوضع مسألة حجية الأحاديث النبوية تحت المجهر، من خلال نقد ما يسمى ب"علم مصطلح الحديث".
و الموضوع في حد ذاته تطرق إليه الكثير من رجالات الفكر سواء بشكل محتشم وغير مباشر أو بطريقة عنيفة كان الرفض المطلق لكل التراث سمته الأساسية، في حين وقف ومازال علماء آخرون عاجزين أو بالأحرى تنقصهم الجرأة و الشجاعة الكافية لإثارته ظنا منهم أن ذلك من شأنه أن يثير الفتنة ويحدث البلبلة.
فثقافة الرواية التي سادت القرون الماضية تعتبر من أبرز الأسباب التي انتجت الموروث الديني الحالي و على رأسه كل هذا الكم الهائل من الروايات التي تملأ مختلف المسانيد وكتب السنن.
وهذه الثقافة كانت من الطبيعي ان تتلاشى مع الوقت بحكم ان الإنسانية قد بلغت سن الرشد و أصبحت مع تقدم العلم و ظروف العصر تتوفر على المعلومة وبسهولة، ولا ينقصها إلا التحليل العلمي العقلاني والدراسة الوافية لإنشاء ثقافة جديدة لا تقبل إلا النصوص المضبوطة وفق القواعد السليمة والمناهج العلمية الدقيقة.
فهذه الدراسة إذن هي محاولة شجاعة لتصحيح بعض مفاهيم ديننا الإسلامي وتقويم موروثنا الديني عن طريق تكريس الاجتهاد العقلاني و إسقاط التبعية العمياء، إيمانا منا بمبدأ حق الاختلاف أو بشكل أعم "فقه الاختلاف" الذي أقره الإسلام وشجع عليه.
وانطلاقا من قوله تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾

أقدم للقارئ هذا المجهود المتواضع، فهذا جهد المقل و ما أوصلني إليه اجتهادي، فإن أصبت فمن توفيق الله تعالى، وإن أخطأت فمن نفسي ولي في كل الأحوال الأجر إن شاء الله كما أخبرنا بذلك نبينا الكريم عليه الصلاة و السلام.
لماذا مصطلح الحديث ؟ :
لأنه شكَلَ، وما زال، مركزية مهمة في كل القراءات، التي تتناول الدين من قريب أو من بعيد، وأصوله وضوابطه لا زالت تخيم على الفكر المؤسس لبنية الفكر الديني المعاصر رغم تطور العلوم، ورغم تقدم المقاربات الإنسانية المختلفة.
إرهاصات :
توقف الاجتهادات بخصوص مصطلح الحديث تجعل دراسته أمرا ليس بالهين، و يعد الخوض في حيثياته كدخول عش للدبابير و ذلك راجع لعدة عوامل :
1. القدسية المعطاة للتراث الإسلامي السلفي والتي تحيط بعلوم الدين عموما، و التي حولت هذا الموروث الديني إلى سلطة قوية و مؤثرة في عقول الناس بشكل لا يقبل النقد ولا يتحمل النقاش.

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾

2. صعوبة إزالة أو تصحيح أي معتقد موروث و خصوصا ما هو مرتبط بالدين مما كرسه السلف و أحاطوه بقدسية مبالغ فيها وقلدهم في ذلك كل من أخذ العلم عنهم.

﴿ وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾

3. سلاح التكفير الذي يوجه ضد كل من يحاول نقد الموروث الإسلامي بصفة عامة وروايات الحديث بصفة خاصة واعتبار ذلك تهجما على الدين الإسلامي و تطاولا عليه لكونه منطقة محرمة ممنوع الاقتراب منها.
الدوافع :
الدافع الرئيسي الذي حثني على الانكباب على هذه الدراسة النقدية هو أولا و أخيرا دافع إيجابي.
وهو نقد من أجل خدمة ديننا الحنيف و ليسا نقدا من أجل الهدم أو استغلال ثغرات هدفها النيل من الإسلام كما يمكن أن يفهم بعض الغلاة الجهلاء، والذين سيتهمونني بإنكار الأحاديث أو يعتبرونني من القرآنيين (رغم أنها بالمناسبة ليست تهمة فكلننا قرآنيون لأننا نؤمن بالقرآن !!).
وأنا أصرح من هذا المنبر وأؤكد على أنني لا أنتسب لأي فرقة أو جماعة أو حزب كما سيحاول أن يصنفني البعض الآخر، فأنا لا أؤمن أصلا بالتمذهب الطائفي ولا أحد يملك الحق في تصنيف الناس مهما بلغت درجات علمه.
ويحضرني قوله تعالى :

﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

أما الدوافع الأخرى فهي تتلخص فيما يلي :
1. وجود فتاوى عجيبة وغريبة قديمة و حديثة مبنية على أحاديث أو روايات واهية (صحيحة كانت أو ضعيفة بمقياس لغة أهل الحديث.
2. فوضى التحليل و التحريم وإصدار الأحكام اعتمادا على هذه الأحاديث خصوصا من لدن المتطرفين و غلاة الدين.
3. الاحتكام إلى الحديث بدل القرآن بحجة أن الأول يفسر ويبين الثاني مما يفتح الباب أمام التأويلات التي تخدم جهة معينة أو فكرا معينا. وقد وصلت ببعض السلف أن تجرؤوا و صرحوا بأن : " السنة قاضية على القرآن" !!! (كما جاء في سنن الدارمي)، كذلك قال الأوزاعي : " الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب " (إرشاد الفحول) 4. الاعتقاد بأمور وغيبيات لم ترد في القرآن أو وردت ولم تُستوعب بشكل صحيح، و لها الأثر في أحاديث كثيرة، نذكر على سبيل المثال: عذاب القبر، السحر، لبس الجن، المسيح الدجال....وغيرها.
وهذا مما يؤثر سلبا على عقيدة المسلمين وإيمانهم.
الأهداف :
إن الهدف الرئيسي وراء هذه الدراسة هو ليس إنكار الحديث مجملا كما يمكن أن يُفهم من الوهلة الأولى، و لكنه محاولة جادة لنقد الروايات التي وصلتنا عن طريق كتب الحديث أو السنن كما سميت أو غيرها عن طريق غربلتها - إن صح التعبير- وتنقيتها من الروايات التي تخالف القرآن بشكل رئيسي، و العقل و المنطق المرتبطين بالهدي القرآني بشكل ثانوي، والتي يستشهد بها الناس لمعرفة أحكام شريعتهم من دون أن يقتنعوا بصحتها أو سلامة مصدرها.
أما الأهداف الأساسية المتوخاة من هذه الدراسة فهي :
1. اتخاذ موقف وسطي معتدل من الأحاديث متجنبين الإنكار التام و التمسك المتعصب.
2. التخلص من ثقافة النقل والحفظ التي أصابت الفكر الإسلامي بالعقم و التي أنتجت عبر العصور فكرا متطرفا (إما الغلو والتزمت أو التسيب والانحلال).
3. القضاء على التمذهب و خصوصا التباعد السني الشيعي، لأن "الأحاديث" من الأسباب المؤسسة لهذا الاختلاف، بل يعتبر من أهمها.
هذا التباعد الذي لم يجد له حلا لا سلفنا الصالح ولا المقلدون كانوا سنة أو شيعة.
4. الحسم في قضايا ما زالت تخلق مشاكل وعداوات سواء بين أبناء الدين الواحد أو بين المسلمين و غيرهم، فهناك العديد من الأحاديث التي خلقتها السياسة والاختلافات الفكرية، فمن الطبيعي أن تنشأ الشيع و المذاهب و تتعدد الإيديولوجيات التي تنحوا كل منحى والسبل المتبعة.
5. غلق الباب أمام أعداء الإسلام الذين يحاولون استغلال ثغرات الإسلام التي خلقتها بعض الأحاديث الموروثة لمهاجمته والنيل منه، وبالتالي إظهار الإسلام بالمظهر الذي يليق به كدين عالمي قادر على إنشاء حضارة راقية بدل مجتمع غارق في التخلف.
6. نزع القدسية عن أي كتاب غير كتاب الله : القرآن الكريم الذي تعهد الله بحفظه بقوله تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

7. إعطاء القيمة الفعلية والمستحقة للقرآن، و جعله المرجع الأول و الأساسي.
يقول تعالى :

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾الآية 23

8. وضع الأحاديث أو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إطارها الصحيح، ووضع المنهج القويم للاستفادة منها.
9. الاتفاق على طرق و أدوات عمل بعيدة عن كل تعصب لفرقة أو فكر معين، و الانفتاح على كل الآراء و عدم رفض الآخر عبر إغناء ثقافة الحوار.
10. وأخيرا و ليس آخرا تهيئة مراجع وأسانيد واقتراح معايير جديدة تساعد على ضبط الأحاديث وفق منهج علمي وعقلاني فعال.
كل هذا يصب في إنشاء ثقافة إسلامية جديدة في التعامل مع الشأن الإسلامي عموما و السنة النبوية خصوصا.
باختصار، إنها دعوة إلى وضع الحديث في إطاره المناسب ومكانته المناسبة، ثم ضبط و تصحيح منطقنا في اتباع الأحاديث النبوية وإعادة تنقيتها وتصفيتها من الروايات الموضوعة (الذي دسها الأعداء) أو المكيفة (تلك التي حُرفت أو شكلت لخدمة مصلحة معينة)، بالاعتماد على آليات جديدة تستخدم طرق علمية حديثة وأساليب عقلانية موزونة غير تلك المعروفة والتي لم تثبت فعاليتها خصوصا في العصور المتقدمة كالسند والمتن والجرح و التعديل، أو على الأقل إعادة النظر فيها إذا أردنا أن نكون أكثر عدلا و موضوعية.
ملحوظة 1 :
لا يجب إقحام ما تواترناه بخصوص العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج في مجال الأحاديث والروايات كما يفعل الكثير ممن يرفضون أي نقد للموروث، فما نقوم به من عبادات مشرع قرآنيا وطرقه مفصلة ومنقولة لنا بواسطة ما يسمى بالتواتر الفعلي.
وهذا الأخير موضوع مستقل بذاته، لا مجال لدراسته هنا.
ملحوظة 2 :
نقد ما جاء في التراث وما نقله السلف، لا يعتبر في أي حال من الأحوال قدحا أو ذما في هذا السلف ولا انتقاصا منهم أو من علمهم أو جهودهم، بل هو مجرد نقد لبعض ما جاؤوا به نتيجة تأويل أو فهم خاطئ، أو لتدليس طال آراءهم وضع من طرف أعداء الأمة.
وهو نقد بدون تجريح ولا ذم انطلاقا من مبدأ "لا أحد فوق النقد".
ونحن لا ندعو إلى رفض كل آراء السلف واجتهاداتهم، بل فقط انتقاء الصالح منها ثم إلقاء الطالح نحو مزبلة التاريخ.
وهذا تذكير لمن يريد أن يفهم غير ذلك.
الجزء المقبل هو حول "مصطلحات السنة والحديث"
** الكاتب : وديع كيتان **
لمشاهدة حلقة اليوتيوب الخاصة بالموضوع :

[ 1 ] تعليقات :

2014-12-24 13:41:20 أحمد صلاح الدين من مصــر sorational@yahoo.com
هذا الموضوع من أهم المواضيع التى ينبغى أن توضع فى صدارة اهتمام القائمين على شئون هذه الأمة لخطورة الدور الذى لعبته و ما زالت تلعبه الرواية عن النبى فى تخريب عقول المسلمين و تجميد قدرتهم على التفكير فى زمن التكفير .. و فى رأيى كمصرى أن المسئول الأول عن كوارث النقل هو الأزهر الذى ظل سلبيا إزاء تنقية ما بين يديه من تراث طوال أكثر من ألف عام من عمره علاوة على ما تفضل به الأستاذ المحترم كاتب الموضوع من ذكر أسباب تمكن الرواية من عقول العامة و وضعها فى نفس قداسة القرآن. الشكر غير المحدود للكاتب و أسجل متابعتى لهذا الموضوع.
شارك برأيك .. وتذكر قول الله سبحانه وتعالى ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
المرجو ملء خانة الإسم
المرجو ملء خانة البريد الالكتروني
المرجو كتابة نص التعليق






جميع الحقوق محفوظة © 2012 (Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com